.
.
.
.

حصار شارع سيدني "كلاسيكية تشرشل"

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

عام 2002 أنتجت هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" برنامجاً تلفزيونياً استطلاعياً لآراء مواطني المملكة المتحدة حول من يعتبرونهم أعظم البريطانيين على مدار التاريخ. البرنامج كان بعنوان أعظم 100 بريطاني، وجاء في قمة التصنيف رئيس الوزراء الأسبق ونستون تشرشل، متفوقاً على وليم شكسبير والملكة إليزابيث الأولى والأميرة ديانا. وفي استطلاع آخر شمل تلاميذ المدارس، اعتبره 20 في المئة شخصية خيالية. وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل الرجل الذي تحول أسطورة، يعد تشرشل من أهم الزعماء السياسيين الذين قادوا الحروب في القرن العشرين.

المتعدد المواهب

قضى تشرشل سنوات حياته الأولى ضابطاً في الجيش البريطاني، و‌مؤرخاً، و‌كاتباً، و‌فناناً، وكان السياسي الأول الذي حصل على جائزة نوبل للأدب، وأول من تمنحه الولايات المتحدة الأميركية المواطنة الفخرية. الدوق الأرستقراطي ينحدر من سلالة عائلات بمارلبورو، وهي أحد فروع عائلة سبنسر الأشهر في بريطانيا. كتبت عنه سيراً ذاتية كثيرة، ولكن أشهرها ما كتبه أندرو روبرتس "السير مع القدر" أو(Churchill, walking with Destiny).

تحتفظ العاصمة البريطانية لندن، بالكثير من ونستون تشرشل في زواياها وخباياها. الرجل الذي كان يعاني "لثغة" (تلعثم في الكلام) تمنعه من إلقاء الخطابات الرنانة، قهر أدولف هتلر الألماني في الحرب العالمية الثانية وغيّر التاريخ. توفي عن تسعين عاماً، مع أنه كان يشرب الكحول كثيراً، ومدمن على تدخين السيجار. ووصف بأنه أحد "صانعي التحرير في العالم".

المواجهة

في تحقيق للمجلة الأسبوعية البريطانية "الايكونوميست" بعنوان "لا تزال المواجهة في إيست إند بلندن عام 1911 تتردد حتى اليوم"، تلك المواجهة التي ربطت بين ونستون تشرشل وراديكالي مراوغ يعرف باسم بيتر الرسام، Peter The Painter)). يقول التقرير"في واحدة من الارتدادات الاعتباطية في التاريخ، ربطت الأحداث اسم تشرشل بشخصية أخرى مقدر لها أن تصبح أسطورة. ثوري معروف باسم بيتر الرسام، كان سيء السمعة من كندا إلى أستراليا، وعُرف بأنه غامض ومراوغ للغاية، إلى درجة أن البعض شكك في وجوده. وتتكشف خلال موسم عيد الميلاد البارد، الحلقة التي تظهر كيف يمكن أن يتحول الأشرار أبطالاً، وتصبح العيوب فضائل، ويتحول الماضي أسطورة.

في مشهد حضري انقلب نتيجة تطهير الأحياء الفقيرة وقصف السلاح الجوي الألماني، عليك أن تبحث بجدية عن آثار هذه القضية المثيرة. لكن على بُعد ميل إلى الغرب من شارع سيدني في ميدان ديفونشاير، توجد لوحة تكريم لروبرت بنتلي، وتشارلز تاكر، ووالتر تشوات، وهم ضباط شرطة قتلوا أثناء أداء واجبهم. هذا هو المكان الذي تبدأ فيه القصة.

تفاصيل حادثة شارع سيدني الشهيرة

حصل الحصار في يناير (كانون الثاني) عام 1911، وعرف أيضاً باسم "معركة ستيبني"، واندلع تبادل للنار في شرق لندن بين قوتي الشرطة والجيش معاً ضد ثوريين لاتفيين. وجاء الحصار بعد سلسلة من الأحداث بدأت فى ديسمبر (كانون الأول) عام 1910، حين تم التخطيط لسرقة متجر مجوهرات في هوندزديتش في مدينة لندن، على يد عصابة من المهاجرين اللاتفيين، ما أسفر عن مقتل ثلاثة رجال من الشرطة وإصابة اثنين آخرين ووفاة جورج غاردشتاين، زعيم عصابة اللاتفيين.

تشرشل كان سياسيا معقدا وعنصريا بالتأكيد

وكشف التحقيق، الذي أجرته قوتا شرطة العاصمة وشرطة مدينة لندن، عن هوية شركاء غاردشتاين، الذين قُبض على معظمهم فى خلال أسبوعين. ووردت حينها إلى الشرطة معلومات عن اختباء آخر اثنين من أفراد العصابة في شارع سيدني في ستيبني. أخلت الشرطة المنطقة من ساكنيها، وفي صباح يوم 3 يناير بدأ إطلاق النار، ولجأت الشرطة لمساعدة الجيش نظراً لاستخدامها أسلحة دون المستوى. استمر الحصار قرابة ست ساعات، وقبل نهاية المواجهة المسلحة، اشتعلت النيران في المبنى، ولم يعرف سبب اشتعالها. كذلك أصيب أحد المُحرضين في المبنى قبل اندلاع الحريق. وبينما كانت فرقة الإطفاء في لندن تزيل الأنقاض وجدت جثتين، ثم انهار المبنى، ما أودى بحياة رجل الإطفاء، المشرف تشارلز بيرسن.

الوقائع المصورة

كان هذا أول حصار من نوعه تلجأ فيه الشرطة إلى المساعدة العسكرية للتعامل مع المواجهة المسلحة. كما كان أيضاً أول حصار في بريطانيا تلتقطه كاميرات التصوير، حيث قامت باتي نيوز (Pathé News) بتصوير الأحداث. اشتملت بعض اللقطات على صور وزير الداخلية آنذاك، وينستون تشرشل. وقد أثار وجوده جدلاً سياسياً حول مدى اشتراكه في العملية. وبعد ذلك وفي المحاكمة التي أجريت لهؤلاء المعتقلين في مايو (أيار) عام 1911، تم الحكم ببراءة جميع المتهمين ما عدا متهم واحد فقط. وألغت محكمة الاستئناف قرار الإدانة الوحيدة لاحقاً. ومن أفلام هذه الحادثة "حصار شارع سيدني" (1960) للمخرج رت بايكر، وروايات عديدة أخرى. وبمرور مئة عام على الأحداث، أُطلق اسم بيتر الرسام، أحد أفراد العصابة، (الذي كان من المحتمل عدم تواجده سواء في هوندزديتش أو شارع سيدني)، على برجين سكنيين في شارع سيدني. وتم إحياء ذكرى القتلى من رجال الشرطة ورجل الإطفاء الذين لقوا حتفهم برسم لوحات تذكارية لهم.

الصلة بين المهاجرين والثوار

يقول تقرير "الايكونوميست"، "إن الجريمة عززت الصلة بين المهاجرين والثوريين في الرأي العام والصحف البريطانية، الذين كما هي الحال الآن، منظمين في خلايا غامضة". واصطف الآلاف في الشوارع لحضور جنازة الضحايا في كاتدرائية القديس بولس، كذلك عرضت الشرطة مكافأة في ملصقات تحمل أسماء لأعضاء العصابة المزعومين باللغات الإنجليزية والروسية واليديشية، ومن بينهم بيتر الرسام، (رجل ذو شارب يقف بلا مبالاة لالتقاط صورة أنيقة في الاستوديو).

من هي عصابة المهاجرين اللاتفيين؟

كان المهاجرون الروس يجتمعون بشكل منتظم في "النادي الأناركي" في شارع اليوبيل في ستيبني، بحلول عام 1910، لم يكن كثير من أعضائه أناركيين. (تعرف الأناركية باللاسلطوية، وأحياناً تترجم خطأً فوضوية. وهي فلسفة سياسية ترفض التسلسلات الهرمية التي يرونها غير عادلة. ويدعو أنصار اللاسلطوية إلى مجتمعات من دون دولة، مبنية على أساس جمعيات تطوعية غير هرمية).

وأصبح النادي ملتقى شتات الروس المُهاجرين ومقراً اجتماعياً لهم، وكان معظمهم من اليهود. لم يكن جميع أعضاء مجموعة اللاتفيين الصغيرة، التي أصبحت متورطة في أحداث هاوندزديتش وشارع سيدني، "أناركيين"، على الرغم من وجود الأدب اللاسلطوي في ما بعد بين ممتلكاتهم. وكان من المحتمل أن يكون أعضاء المجموعة هم الثوريون الذين تطرفوا من خلال تجاربهم في روسيا. فكانت لجميعهم وجهات نظر سياسية يسارية متطرفة، حيث اعتقدوا أن مُصادرة الملكية الخاصة ممارسة مشروعة. كان جورج غاردشتاين الزعيم المحتمل للمجموعة، وكان اسمه الحقيقي على الأرجح بولوسكي أو بولكا، حيث استخدم الأسماء المستعارة، جارستين وبولوسكي وبولكا ومورونتزيف وغيرها. وقد وجهت إلى غاردشتاين، الذي كان من المحتمل أن يكون "أناركياً"، تُهمتي القتل والقيام بأعمال إرهابية في وارسو عام 1905، قبل وصوله إلى لندن. وكان جاكوب أو ياكوف بيترز أحد الأعضاء الآخرين في المجموعة، وعنصراً محرضاً في روسيا أثناء تواجده في الجيش، واشتغل بعد ذلك عاملاً في المرفأ. وقد قضى مدة في السجن بسبب نشاطاته وتعرض للتعذيب بإزالة أظافره. وكان يُوركا دوبوف هو المحرض الروسي الآخر، الذي هرب إلى إنجلترا. وفريتز سفارز هو أحد اللاتفيين الذين ألقت السلطات الروسية القبض عليهم ثلاث مرات لارتكابهم الجرائم الإرهابية، ولكنه كان يتمكن من الهرب في كل مرة. وقد سافر إلى الولايات المتحدة، حيث قام فيها بسلسلة من عمليات السرقة قبل أن يصل إلى لندن في يونيو (حزيران) عام 1910.

لغز بيتر الرسام

كان بيتر الرسام، لقباً لشخص مجهول الهوية، وعضواً آخر من أعضاء المجموعة، ومن المحتمل أنه كان يدعى بيتر بياكتو أو بياكتوف أو جانيز ذهاكليز. وكان ماكس سمولر أحد أفراد العصابة، الذي عُرف أيضاً باسم جو ليفي وجوزيف اليهودي، وكان مطلوباً القبض عليه في مسقط رأسه في شبه جزيرة القرم، لقيامه بعديد من عمليات سرقة المجوهرات، وغيرهم من الشخصيات. وتنقل المجلة البريطانية، عن ناديا فالمان من جامعة كوين ماري بلندن، قولها، "إن شخصية "الوسيم المندفع" سيدخل أسطورة المدينة، في صورة متداخلة بين المجرم والأيقونة. ووفقاً للملصقات، كان لبيتر المولود في روسيا، ألقاباً عديدة أخرى كبياكاتوف وشتيرن. وكما أن المؤامرة دولية، كذلك كانت المطاردة. ادعت الشرطة الفرنسية أن بيتر كان يعيش في مرسيليا، وورطه الروس في مؤامرة تفجير في القرم. وأن مرجعية معينة وضعته في ناد أناركي بباريس، وكلمة السر الخاصة به هي "الدم والموت". بيتر تحدث لغات عدة وأتقن العزف على الكمان. تراسل مع المخربين في باكو، وكان له حبيبة تشتاق إليه في كييف".

كلاسيكية تشرشل

"لم تكن قلة الشجاعة مشكلة تشرشل أبداً"، بحسب صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها سابق. ومن هنا وعلى الرغم من أن تشرشل كان يبلغ من العمر 36 عاماً فقط، إلا أنه كان من قدامى المحاربين، دخل معركة أم درمان السودانية، وساعد في تخفيف حصار ملكند في باكستان، وكان قد أُسر في قطار مصفح وهرب من سجن بوير (Boer). في ذلك اليوم، ارتدى ملابسه، وهرع إلى وزارة الداخلية وسرعان ما وصل إلى مكان الحادث، مدفوعاً بكل من "قناعات الواجب" و "شعور قوي بالفضول الذي ربما كان من الجيد الحفاظ عليه"، وهو بهذه الصفات يتشابه مع شخصية (بيتر الرسام) بحسب ما تصفه "الايكونوميست".

أندرو روبرت سجل المشهد في السيرة الذاتية عن تشرشل، ويقول "تم الحفاظ على منديله في لقطات شريطية إخبارية متقطعة تم عرضها في دور السينما على الفور تقريباً، الكاميرات جعلت من الحصار "أول قصة إخبارية عاجلة في التاريخ"، يمكنك رؤية الجنود يسيرون والخيول تجر المدفعية، وسحابة الدخان المتصاعد من البنادق والصحافيين المتجمعين على سطح حانة Rising Sun) ). وهناك بالقرب من الزاوية كان يحتمي تشرشل الشاب، وكأنه في عرض مسرحي بقبعة ومعطف بياقة استراخانية. ويروي الكاتب روبرتس أن إحدى الروايات تقول، إن تشرشل أصيب برصاصة في تلك الحادثة، وهو أمر غير مرجح بحسب الكاتب، لأنه "لو حدث ذلك لكان احتفظ بالرصاصة". وكان حضور تشرشل مثيراً للجدل، أولاً بين المتفرجين حينها، ولاحقاً في البرلمان، حيث انتقد آرثر بلفور زعيم حزب المحافظين عمل تشرشل (الحزب الذي تركه تشرشل في عام 1904 وانضم إليه لاحقاً)، وقال بلفور "أنا أفهم ما كان يفعله المصور"، "ولكن ماذا كان يفعل الرجل المحترم؟".

ويقول تقرير "الايكونوميست"، إن الجواب، ووفقاً لتعليق إخباري، كان "يدير العمليات". وتظهر الأفلام المصورة رجال الإطفاء الشجعان وهم يندفعون بعد انهيار السقف. اندفاع تشرشل في حادثة شارع سيدني، كان من بين الأحكام الخاطئة التي صدرت بحقه، حتى أصبح رئيساً للوزراء وبناءً عليه، بحسب روبرتس، تحول "هوس" تشرشل للتواجد في مسرح الحدث إلى ميزة. وذلك عبر سيطرته المباشرة على المعارك خلال الحرب العالمية الثانية (وكان سينضم إلى الأسطول في يوم النصر لو لم يتدخل الملك). ولكن عند استعادة الأحداث، نجد أن حادثة حصار شارع سيدني هي "كلاسيكية تشرشل".

*نقلا عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.