.
.
.
.

لا يوهمكم خطاب البرلمانيين الأوروبيين عن الحريات

محمد أبو الفضل

نشر في: آخر تحديث:

دخل البرلمان الأوروبي على ملف الحريات في مصر من أبواب واسعة، حيث تبنى الجمعة، مشروع قرار مطاط تطرق إلى كل ما له علاقة بحقوق الإنسان، ولم يترك شيئا كبيرا أو صغيرا إلا وأتى عليه، بدءا من مصرع الشاب الإيطالي جوليو ريجيني وحتى تحديد ما يجب أن تفعله القاهرة حيال المجتمع المدني وما يجب أن تتجنبه.

لم تجرؤ حكومات دول أوروبية عديدة على رسم خارطة طريق لدول صغيرة، فما بالك إذا كانت توجد دولة استعدت ونسجت شبكة من المصالح مع دول غربية، اعترف الكثير من المسؤولين فيها صراحة بأن الصفقات أهم من حقوق الإنسان، وتطوير القواسم المشتركة أولى من الوقوف عند ما جرى من انتهاكات.

استقبل خصوم القاهرة قرار البرلمان الأوروبي كأن هناك عقوبات فورية سيتم فرضها، أو أن فتحا جديدا لجراح مصرية عميقة سيتم تناقلها في العلن أمام العالم.

فسرت جماعة الإخوان ومن لف لفها من دول ومنظمات ووسائل إعلام القرار على أنه بداية النهاية للنظام المصري، ونسجوا قصصا خيالية، واستعادوا حكايات من الماضي للتدليل على أن مرحلة صعبة تنتظر القاهرة في علاقتها بالدول الغربية.

تعامل البرلمان المصري مع القرار على أنه سقطة كبيرة، وأرغى وأزبد في بديهيات سياسية، وتناسى أن مفاتيح الحل والعقد في يد الحكومات، التي لا تميل غالبا إلى تبني مواقف برلمانيين تتسم معظمها بالشعبوية، وترمي إلى دغدغة مشاعر المواطنين من خلال ملف حقوق الإنسان، كوسيلة لضمان إعادة انتخابهم.

لا يوهمكم خطاب البرلمانيين الأوروبيين في هذا الاتجاه، فهو استجابة لدوافع معنوية أكثر منها سياسية، فعدد كبير من نواب البرلمان الذين صوتوا على مشروع القرار الأخير، وهم 434 من العدد الكلي البالغ 685 عضوا، لا يعلمون ما يجري بدقة في ملف حقوق الإنسان بمصر أو غيرها، فقط انخرطوا في سردية عاطفية سربتها إليهم منظمات حقوقية ليوحوا أنهم قادرون على التأثير في مجريات الأحداث.

يتصور البعض أن هناك ازدواجية في الخطاب الأوروبي، أو أن الحكومات تتحدث بلسان والبرلمانات بلسان آخر، لأن هذه الحالة ليست جديدة، فقد كان العراق حقلا كاشفا لهذه التجارب البغيضة، ولن تكون مصر هي الاستثناء الوحيد الآن، حيث درج حديث الحكومات على الاهتمام بالقضايا المادية التي لها علاقة بالمصالح المباشرة للدولة، واحتكرت تقريبا البرلمانات الأمور المعنوية.

لا يعني ذلك أن الأولى لا تتطرق لحقوق الإنسان والحريات، أو أن الثانية ممنوعة من الحديث عن السياسات والتوجهات، لكن النتيجة التي خلص إليها المراقبون لتصورات تبناها البرلمان الأوروبي أنه يميل إلى المزايدات، وعدد كبير من أعضائه مغرمون بالصخب، بصرف النظر عن الجدوى، ولا تهمهم الاستجابة الفورية.

تبدو المسألة أقرب إلى الاستعراض السياسي من العمل الأصيل، لأن العناوين الجذابة والعبارات الفضفاضة التي تعزف على وتر المشاعر لن تجدي في تغيير تصرفات الدول، ما يفقد القيمة الأخلاقية معناها التي يحملها الحديث عن حقوق الإنسان، لأن ثمة مغرمين بتحويلها إلى حصان طروادة لممارسة ضغوط سياسية على بعض الدول.

تنزعج مصر أو غيرها عندما يقترب البرلمان الأوروبي من ملف الحريات عموما، لأنها تدرك أن هناك ثقوبا كبيرة به، تخشى من التركيز عليها إعلاميا، ما يجبر الحكومات على الاهتمام بها سياسيا، بالتالي التشكيك في القواعد التي شيدتها التوجهات المبنية على أن المصالح باتت مقدمة على حقوق الإنسان.

خطاب البرلمانيين الأوروبيين هو استجابة لدوافع معنوية أكثر منها سياسية فعدد كبير من نواب البرلمان الذين صوتوا على مشروع القرار لا يعلمون ما يجري في ملف حقوق الإنسان بمصر أو غيرها

يمكن فهم انزعاج البرلمان المصري من هذه الزاوية، فهو يدرك أن السنوات المقبلة ربما يتصدر الحديث عن الديمقراطية ومناصرة المجتمع المدني جانبا من اهتمامات الدول الغربية، بما يشي أن التركيز مرتبط بوصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، فطوال السنوات الماضية كان منصبا على المنظمات الحقوقية، وتكثيف البرلمان الأوروبي عليه الآن يشير لدى البعض أنه تمهيد لدخول الحكومات على الخط.

تتنافى هذه العلاقة مع المنطق الذي يتحكم في مفاصل القرارات الأوروبية، خاصة تلك التي تنتهج رؤى مصلحية بحتة، فلم تقطع الدول الغربية علاقاتها مع روسيا أو الصين بسبب تجاوزات حقوق الإنسان في أي منهما، وهي كثيرة ومتنوعة.

ولن تفعل ذلك مع مصر التي كانت على يقين أنها قد تتعرض لانتقادات وربما ضغوط بسببه وسارعت بتطوير روابطها مع دول غربية عديدة وفي مجالات مختلفة، تحسبا ليوم يُفتح فيه هذا الملف على مصراعيه.

يجد برلمانيو أوروبا متعة سياسية في التطرق إلى قضايا حقوق الإنسان، والتي تصل إلى مستوى مرتفع في بعض الأحيان، لكن تجدهم يحصرونها في مجال الرأي وحرية والتعبير وعدد المعتقلين والمحتجزين من دون اعتبار للأجواء العامة وملابساتها السياسية والأمنية وحجم التهديدات التي تتعرض لها الدولة.

يتجاهل عدد كبير منهم الجوانب الأخرى المتعلقة بهذه الإشكاليات، وربما تكون لبعضهم مواقف منصفة في التصدي لتجاوزات حدثت من قبل رجال الشرطة في مواجهة تظاهرات فئوية في بلدانهم، ويتفهمون أخطاء الشرطة الناجمة عن مواجهة الإرهاب ويجدون الأعذار لها، ويتغافلون عن القياس بهذه المسطرة في دول أخرى.

كما أن طبيعة عمل البرلمان الرقابية والتشريعية ووضع الصفة التنفيذية في حوزة الحكومات يؤكدان غلبتها في تحديد الخيارات المتاحة في ملف حقوق الإنسان أو غيره.

ولذلك تظل مهمة البرلمان قاصرة على الشجب والتنديد والرفض، ومهما تعاظمت أهمية التشريعات التي يصدرها يبقى تطبيقها مرهونا بمواءمات دقيقة وحسابات تقدرها هذه الحكومة أو تلك.

لم تعد الصفة التشريحية لحالة الحريات كما كانت في أوجها سابقا، فالتراجع الحاصل على مستوى العالم، والتفاوت في التفسيرات والتبريرات، والتناقض أحيانا في التعامل مع الدول بموجب هذه الورقة، أضعف النسق القيمي لمعايير حقوق الإنسان التي تراجعت في أحاديث المسؤولين التنفيذيين.

وتطفو عندما تكون هناك دواع قوية للضغط، أو رغبة عارمة في تهدئة صخب يمكن أن يتزايد ويتحول إلى شرارة للنيل من بعض الحكومات الغربية التي لا تزال متشبثة بإعلاء منظومة القيم الإنسانية لتعزيز مكانتها السياسية.

أضعفت جرأة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في رده على حال حقوق الإنسان في مصر بحضور رئيسها عبدالفتاح السيسي مؤخرا، من حجج البرلمانات التي تريد تصديرها للمشهد الغربي، من غير ربطها بقائمة المصالح الاستراتيجية، ما يعني أن مواجهات حادة متوقعة قد تحدث بين الجانبين في الفترة المقبلة، مرجح أن تكون فيها الغلبة لمن بيدهم الأمر والنهي والتنفيذ الفعلي.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.