.
.
.
.

نحن واللقاح والبحث العلمى

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

دار لغط شديد الأسبوع الماضى حول اللقاح الصينى الذى حصلت عليه وزارة الصحة لمواجهة الموجة الثانية من كورونا، وتعرض ذلك اللقاح لعملية تشكيك واسعة.. دعنا الآن من حملات فلول الجماعة الإرهابية، هؤلاء لا يستحقون الرد، لأن وجودهم بات متوقفًا على أن يشككوا فى كل ما يجرى على أرض مصر، لكن ثمة جدلا وقلقا لدى بعض المواطنين يجب التوقف عنده.

هناك من يؤمنون بالمؤامرة، وأن هذا الفيروس وَهْم تم اختلاقه لإحلال نظام عالمى جديد عنصرى فى جوهره، يضمن سيطرة بعض الأسماء الكبرى بمصالحهم على العالم، وإذا كان الفيروس تم تخليقه، فإن أى مصل هو محاولة للعبث بالحمض النووى للإنسان.. نسمع ما يقول هؤلاء فى الولايات المتحدة وفى أوروبا وعندنا أيضا، وجدنا نائب الرئيس الأمريكى «مايك بيتس» يتلقى المصل أمام الكاميرات ليطمئن عموم المواطنين، وأظن أنه مع استعمال اللقاحات وظهور نتائجها الإيجابية، فسوف تتراجع حجج هؤلاء وتهدأ مخاوفهم.

وعلينا الاعتراف بأن بيننا داخل مصر والبلدان العربية من لايزال يضع المنتج الصينى،أيًا كان، فى درجة أقل من المنتج الأمريكى أو الأوروبى من حيث الكفاءة والجدوى.. هذه فكرة قديمة يجب أن نتخلى عنها بعد أن احتل ذلك المنتج الكثير من الأسواق فى الولايات المتحدة نفسها، ويُحسب للمنتج الصينى عموما أنه يراعى المستويات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، تحديدًا يراعى المجتمعات الفقيرة ويضعها فى حسبانه.

وعن مستوى التقدم العلمى، فإن الصين نجحت فى إطلاق مسبار نحو القمر وعاد بنجاح. التقدم العلمى يبدأ بطيئًا وربما محدودًا فى بعض المجتمعات، لكن بالتراكم البحثى والمعرفى لا يلبث أن يتجاوز كافة العراقيل ونقاط الضعف.

أما اللقاح الخاص بمواجهة «كوفيد-١٩» فكانت الصين الأسرع فى التوصل إليه، سبقت فى الوصول منتج شركة فايزر وربما اللقاح الروسى أيضا، وأدى إلى نتائج جيدة فى الصين ذاتها، كبر دولة فى العالم على مستوى تعداد السكان.. نجاح الصين فى مواجهة هذا الوباء يقترب من المعجزة، ولا داعى للعجرفة الطبقية أو القومية التى تنتاب البعض، أى إما أن يكون اللقاح أمريكيًا أو إنجليزيًا وربما ألمانيًا، ودون ذلك غير مقبول.

كنت أتصور أن يدور الجدل حول شأن آخر، وهو: أين البحث العلمى والطبى لدينا من هذه القضية؟، نتعارك حول اللقاح الأمريكى والصينى والروسى، فضلًا عن لقاح جامعة أوكسفورد.. نحن لدينا هيئة المصل واللقاح، فضلًا عن عشرات الجامعات المليئة بالمعامل ومراكز الأبحاث، ثم أكاديمية البحث العلمى، ولدينا علماء كبار.. فما الذى قمنا به؟ وإلى أى حد وصلنا فى هذا المجال تحديدًا؟.

حين ظهر الوباء الشتاء الماضى، انطلقت تصريحات عدد من السادة رؤساء الجامعات حول أبحاث واكتشافات علمية على وشك التوصل إليها بما يمكننا من تصنيع لقاح مضاد أو مصل يقينا ذلك الوباء، وكنا سعداء وفخورين بتلك التصريحات، حتى لو كانت متعجلة، وحتى لو بدا فيها ما يشى بتسابق بعض الجامعات أيُّها أولًا، بل إن إحدى الجامعات أعلنت أن لديها أستاذا مساعدا توصلت فعليًا إلى فك شفرة فيروس «كوفيد-١٩»، ومن ثم بتنا قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اكتشاف مصرى لعلاج الفيروس. رئيس إحدى الجامعات أعلن أنه خصص مبلغ عشرة ملايين جنيه لوحدة بحثية داخل الجامعة للوصول العاجل إلى مصل، ورغم ضآلة المبلغ الذى لا يكفى لبحث معمق، لكن تقبّلنا ذلك وتفاءلنا.. ثم مضى عام، وبتنا بإزاء الموجة الثانية من الوباء، وماتت تلك التصريحات ولم نسمع أى شىء عن الأبحاث التى تجرى ولا عن النتائج التى تم التوصل إليها، تبخر كل ذلك، اللهم إلا إذا كان هناك شىءٍ لم يتم الإعلان عنه بعد.

كان الوباء فرصة عظيمة أمام بعض الجامعات حول العالم لتعيد التأكيد على مكانتها العلمية والبحثية، مثل جامعة أوكسفورد التى ينتظر العالم بشغف العلاج الذى أوشكوا على التوصل إليه، جامعة «جون هوبكنز» فى الولايات المتحدة باتت المرجعية الأولى فى أرقام الإصابات والوفيات بكورونا فى الولايات المتحدة، بل فى العالم كله، لا يقف الأمر عند بعض الجامعات فقط، بل يمتد إلى مراكز الأبحاث، فضلًا عن شركات الأدوية الكبرى، وهناك تنافس علمى شديد بين هؤلاء جميعا، له بالتأكيد مردود اقتصادى وسياسى كبير، كنا نحلم أن تكون لدينا جامعة أو أكثر، فضلًا عن شركات الأدوية تسهم وتقدم دورًا فى محاولة للوصول إلى مصل يمكّننا من مواجهة ذلك الوباء، ويعزز مكانتنا وريادتنا فى محيطنا الجغرافى وعالمنا كله.

وهناك من يرددون باستمرار أن العلم لا وطن له، وإنسانى النزعة، ولا يصح أن ندخل عليه نزوعا وطنيا فنقول عنه صينى أو أمريكى أو فرنسى أو مصرى.. وقد يكون ذلك صحيحًا من الناحية النظرية، وربما المثالية، لكنه ليس كذلك على مستوى الاستخدام، العلم ونتائجه تكون لصالح المجتمع والدولة التى أنتجته أولًا. الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وقع قرارًا بأن المصل الذى توصلت إليه شركة فايزر يوجه إلى المواطنين والداخل الأمريكى أولًا، ومطلب الأمين العام للأمم المتحدة وكذلك منظمة الصحة العالمية بضرورة التوزيع العادل للأمصال يكشف تخوفًا حقيقيًا من أن يحتكر بلد ما المصل لمواطنيه، أو أن يتم رفع سعره بما يعجز البلدان الفقيرة من الحصول عليه لمواطنيها.. من هنا فإن التوصل إلى لقاح محلى أو وطنى - إن صحت التسمية - أمر يجب أن نأخذه بجدية، وأن نسعى إليه.

ويجب ألا نتجاهل قوانين وقواعد الملكية الفكرية التى تجعل البحث العلمى وما ينتج عنه ملكًا للشركة أو الدولة التى توصلت إليه، بما يفرض أعباء مالية ضخمة على من يريد شراء ذلك المنتج أو حتى تصنيعه محليا، ناهيك عن أنه قد يتعرض لضغوط أو ابتزاز سياسى للسماح له باستخدام المنتج.

وهناك من يخلطون بين البحث العلمى ذاته وأدوات التكنولوجيا، ويتصورون أن امتلاك تلك الأدوات من أجهزة وأشياء أخرى يعنى أننا دخلنا المجال العلمى.

والحق أنه فى أزمة كورونا لا يمكن أن نغفل أمرين فى مصرنا: الأول أن الحكومة تحركت بجدية وسرعة شديدة وأيضا كفاءة ملحوظة فى مواجهة الموجة الأولى بكل تداعياتها، فخرجنا منها بقدر محدود من الخسائر الاقتصادية والبشرية، وهذا ما نشهده حاليًا مع الموجة الثانية ونثق بأننا سوف نتجاوزها.

الثانى أن قدراتنا العلمية والبحثية مازالت أقل مما نستحق، وتلك ليست مشكلة العلماء ومراكز البحوث العلمية فقط، لكنها قضية مجتمع بأكمله، مازال لدينا من يعادى العلم عموما ولا يقر بأهميته.. هؤلاء يظهرون مع كل أزمة تطل علينا.. أعرف أن هناك من يحول هذا العداء إلى بيزنس خاص، ماليًا وسياسيًا. قبل حوالى عشرين عاما عشنا موجة علاج مرضى فيروس سى أو التليف الكبدى بتعليق سلسلة فى العنق عليها بعض النقوش المستوحاة من هندسة وبناء الهرم الأكبر، قبلها كان هناك من رفض بشدة عمليات غسيل الكلى للمرضى بدعوى أنها محاولة للتدخل فى قدرة الله سبحانه وتعالى.. وغير ذلك كثير.

ونحن لسنا بدعًا فى مثل هذه الأمور، كل مجتمع وكل ثقافة تنتج أمثال هؤلاء، الفارق فقط فى نسبة انتشارهم ومدى نفوذهم وتأثيرهم الاجتماعى. الأهم أن يكون فى المجتمع أيضًا العلماء ومؤسسات البحث العلمى التى تنفق بسخاء، وأن يعمل العلماء بلا مخاوف أو حتى طموحات بيروقراطية.. ولن يقدم العالم منجزًا علميًا ذا بال وهو محاصر بمحاذير وضغوط اجتماعية ودينية، فضلًا عن أن يكون لدى العلماء الهَمّ والطموح العلمى الحقيقى، وليس مجرد نيل ترقية أو شهادة أكاديمية، أى أن تكون هناك بيئة ومجتمع علمى حقيقى يحرض العالم على الابتكار.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.