.
.
.
.

القس باقي صدقة.. وداعاً

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

كان أول طالب مسيحى يدرس فى معهد فؤاد الأول الأزهرى بأسيوط، كان كل منا يعبد الله بطريقته، كان يمضى الوقت مع أصدقائه مسلمين ومسيحيين يمصون القصب فى حديقة الكنيسة شتاءً أو يأكلون البطيخ عند الجامع الكبير بأسيوط صيفاً، كان أصدقاؤه محمود وعلى وعمر وجرجس وعبدالمسيح، كان يخرج مع طلاب المعهد الأزهرى فى المظاهرات يهتفون ضد الإنجليز «تسقط إنجلترا» لا يعرف المسيحى من المسلم، كان يحفظ أشعار البارودى وشوقى، وحافظ إبراهيم، كان يقرأ القصيدة أربع مرات فيحفظها عن ظهر قلب، كان يعتبر المعهد الدينى معهداً للعلم والفضل، كانت أسيوط جميلة ونظيفة رغم أن شارعاً واحداً كان مرصوفاً فيها، كانت مملوءة بالفيلات، والحياة فيها هادئة، كانت المحبة تسود حياتنا فعند المغرب نجلس معاً فى الحارة، نلعب الكرة «الشراب» ونحن صغار، كانت حياتنا كلها مودة صادقة ومحبة صافية، لم نسمع فى حياتنا مفردات الكراهية والتعصب كما كان يردد «وأن التعصب والعنف ليست صناعة شعبية بل هى صناعة خارجية»، كان يقول: «كنت أخجل لمجرد السلام على ابنة عمى أو خالى»، ولم أعرف كلمة تحرش إلا فى الأعوام الأخيرة، كنا ننظر إلى الجار وحرماته نظرة توقير واحترام، فكرامته من كرامتنا.

نشأت فى بيت الحاج جاد الرب حسانين، لم نكتب عقد إيجار، لم نأخذ منه إيصالاً، وعندما توفى أبى وتركنا الشقة لم نفكر يوماً فى أخذ «خلو»، عاشرنا أسرة الحاج «جاد الرب» وعاشرونا بالمعروف، لم تكن بيننا كلمة نابية ولا صفحة سوداء يوماً، وظلت علاقتنا مع الأجيال التالية لهذه العائلات التى جاورتنا كأحسن ما تكون العلاقة، كنا نغلق المذياع عند أى جنازة للجيران، المجتمع يومها كان نقياً دون تكلف، وكان هناك تعاون بين الناس، وحب الخير كان بيننا عظيماً، كان لدينا فرَّاش فى الكنيسة الإنجيلية، لا أدرى إن كان مسلماً أو مسيحياً، فلم يكن هناك تمييز، علمته القراءة والكتابة، كان أ/محمد الخولى أول مَن يهنئنى بالأعياد، وظل كذلك 40 عاماً متواصلة، جاوز الثمانين ونسيت ملامح وجهه ولكنى لا أنساه أبداً، كنا دوماً نبكى مع الباكين، ونفرح مع الفرحين، وُلدت فى أسرة فقيرة وكنت يوماً أحتاج لمساعدة مالية بسيطة للسفر للقاهرة، كان ثمن التذكرة 106 قروش، لا أدرى كيف علم أستاذى أ/محمود عبدالسلام بذلك، كان مدرساً أزهرياً يسكن الحمراء بأسيوط، سار معى قليلاً فى الفصول الفارغة فى الفسحة، أخرج مبلغاً وأعطاه لى، قلت: ما هذا يا شيخ محمود؟ قال: شعرت أنك تحتاجه، رددته بعد فترة، لكن هذه الواقعة التى مر عليها 65 عاماً لا تمحى من ذاكرتى، كنت أجرى عملية قلب مفتوح فى دار الفؤاد وفصيلة دمى نادرة، أعلن بعض شباب الكنيسة عن ذلك، جاءنى طبيب مسلم وتبرع لى مع عدد من الشباب المسلم والمسيحى، بعضهم كان ملتحياً، عجب الأطباء فى المستشفى لذلك، فقلت لهم: لا تعجبوا فقيمة المحبة تتجاوز كل الأعراق والأديان، كان كل متبرع يعطى شيئاً من المستشفى، لكنهم رفضوا جميعاً، زرت أمريكا ومعظم بلاد أوروبا وشرق آسيا وسنغافورة والسودان وزرت أغنى بلاد الأرض، ولكنى أتوق دوماً للعودة لمصر لأقبِّل ترابها مهما كان فيها من مصاعب ومتاعب.

فى عام 1988 زار د/محجوب، وزير الأوقاف وقتها، الكنيسة الإنجيلية ومعه المحافظ عبدالحليم موسى، فتبرع الأب باقى صدقة، راعى الكنيسة الإنجيلية، بمبلغ ألفى جنيه للأوقاف، وكانت ميزانية الكنيسة وقتها أقل من ألفى جنيه، فلما علم د/المحجوب بذلك تبرع لمستوصف الكنيسة بخمسة آلاف جنيه، فلما سأله ابنه صموئيل عن ذلك، قال: «يا بنى أعطِ لله ليضاعف الله لك العطاء»، ذهب إلى المسجد المجاور للكنيسة الإنجيلية بأسيوط وتحدث هناك مع خطيب المسجد د/عماد بعد ثورة يناير ووقوع بعض الفتن، فقال فى جمع حاشد من المسلمين والمسيحيين فى المسجد: «سيبقى الحب ما بقى الإنسان، وخدمة الناس شرف عظيم، وهى تعنى محبتهم، وأنا وأنت نقوم بالخدمة، فلذلك نقدم الحب، فنحن نلتقى فى خدمة الناس ومحبتهم»، فذكره الشيخ د/عماد بالآية «وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ»، فقال القس باقى صدقة الذى له حظ كبير من اسمه: «أنت تقوم بالخدمة فى المسجد ولذلك تقدم الحب، وأنا أقوم بالخدمة فى الكنيسة وأقدم الحب، ولذا نلتقى معاً فى الخدمة والحب»، كانت هذه نبذة من حياة القس باقى صدقة الذى يطلق عليه شيخ الرعاة الإنجيليين فى مصر، والذى يلقبه البعض بـ«أستاذ المحبة»، حيث إن جل بضاعته كانت هى نشر الحب بين الناس.

أما أهم كلماته التى يحفظها معظم تلاميذه فهى: إذا كنا أمناء لله، فإن الله يقودنا والعالم يحترمنا، أما إذا كنا غير أمناء لله، فإن الله سوف يتخلى عنا، والعالم سيزدرينا، كان يرى إكرام المرأة وفى الوقت نفسه يرى أن عليها فريضة احترام زوجها وطاعته، وكان يردد عن المرأة «لا تهان ولا تهين».

«المعطى المسرور بتلقاء يكرمه الله، أى دون تكلف أو رياء».

«لا بد أن يعمل الإنسان عمل الله بطريقة الله»، الإنسان خلق من تراب، وعليه أن يعمل للقاء الله. أواصر الحب تبقى ونوازع الشر والكراهية ستزول بزوال أصحابها.

لا تغتر بتقديم المعروف لأحد، لكن اشكر من تساعده، لأنه أعطاك الفرصة لأن تساعده، كلمة طيبة تقولها لإنسان على قيد الحياة أعظم من باقة ورد على قبره، إن أنفقت فأنت تتبارك بذلك، وإن لم تعط فلن تنالك البركة وستمضى مسيرة العطاء بدونك، قوة النفوذ بالحب أقوى وأبقى من نفوذ القوة بالعنف، لأن الله محبة والمحبة هى الباقية، اطرد الغربان لتغرد البلابل، أنت لا تنفق من حسابك، ولكنك تنفق مما سبق وأعطاك الله إياه.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.