.
.
.
.

اللقاح الصيني: شيء من الخوف

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

ظل الناس في انحاء العالم ينتظرون نتائج الاختبارات ويتابعون أخبار المعامل والمختبرات ويترقبون إعلان الحكومات وشركات الأدوية والعقاقير البشرى بالتوصل إلى لقاح لفيروس كورونا، ليعودوا إلى الحياة الطبيعية من دون قيود او حجر او ضوابط او عزل، وبمجرد ان بدأت شحنات اللقاح تنقل من الدول المصنّعة إلى الدول الطامحة للعودة إلى الحياة الطبيعية، ولترتاح شعوبها التي عانت وطأة القيود وأوجاع المرض، اختلطت المعلومات الصحيحة بالإشاعات والأخبار المضروبة حول تأثير اللقاح وعوارضه الجانبية ونتائجه السلبية، فتسربت المخاوف إلى عقول الناس وانتشر القلق بين من كانوا متلهفين لظهور اللقاح، وحتى تلك المشاهد والصور التي انتشرت في وسائل الإعلام لشخصيات مهمة وزعماء ورؤساء دول ومسؤولين كبار وهم يبتسمون أثناء تلقيهم اللقاح لم تبدد مخاوف الناس، بل إن بعضهم اعتبرها حلقة ضمن سلسة المؤامرة على البشرية، أو جزءاً من السيناريو الذي وضعته أجهزة الاستخبارات العالمية للقضاء على هذا الشعب او ذاك!.

اختلطت كارثة فيروس كورونا بالسياسة وأثرت في الاقتصاد وضربت العادات والتقاليد والموروثات وعصفت بأنماط الحياة لدى شعوب وأمم، وبقدر حجم الكارثة وتأثيراتها كانت الهواجس والمخاوف والظنون، خصوصاً أن الناس في انحاء العالم وجدوا أنفسهم وسط بحر متلاطم الأمواج من المعلومات الغامضة والنصائح المتعارضة والأرقام المتعارضة والتوقعات المتشائمة والاتهامات المتبادلة، فانعدمت الثقة أو قلت، وزادت المخاوف وتعاظمت، وساد الارتباك وزاد، وكان المتوقع أن التوصل إلى لقاح لذلك الفيروس الذي يستعصي على العلاج سيضع حداً للمخاوف ويقلل من الارتباك ويهدّئ العقول التي اعتادت العيش في سلام وهدوء وربما رفاهية.

في مصر كانت التصورات تشير إلى أن تداعيات أزمة كورونا ستنجو من الاستغلال والاستخدام، حتى أن بعضهم اعتقد أن "الإخوان" سينأون بأنفسهم عن الضغط على مشاعر الناس ومخاوفهم، لكن ذلك التنظيم الارهابي لم يخالف عادته ووجد في كورونا فرصة للنيل من الحكم، ولم تتوقف منصاته الإعلامية عن اتهام السلطات بالتقصير تارة والإهمال تارة أخرى، بل إنه حين وجد المصريين غير مكترثين بمزاعمه وفبركاته، نصب الحيل ونشر الأكاذيب وروّج لادعاءات مفادها أن الرئيس عبدالفتاح السيسي تعمد اتخاذ الإجراءات الاحترازية لحماية مؤيديه من الفيروس بينما تعمد الإضرار بمعارضيه بنشر الفيروس بينهم!. ومع كل إجراء اتخدته الحكومة المصرية للتعامل مع الأزمة الكونية كان التشكيك "الإخواني" حاضراً، وتحوّل كل "إخواني" إلى مراسل لمنصات التنظيم وقنواته. انتشر عناصر التنظيم وعملاؤه حول المستشفيات والمراكز الصحية لنقل مشاهد المعاناة والمتاجرة بها لإشاعة الإحباط بين الناس حتى يسود اليأس من النجاة من الفيروس طالما السيسي على رأس الحكم!.

ولأن المصريين تحصّنوا ضد ألاعيب "الإخوان" ومؤامرات الجماعة، فإن التنظيم حقق فشلاً ذريعاً في تحويل أزمة كورونا إلى أزمة للحكم، وسقطت كل دعوات التظاهر والإضراب والعصيان، خصوصاً بعدما أيقن الناس أن الجهود الحكومية أفضت إلى حصار الفيروس وبقاء أرقام الاصابات عند حدود مقبولة بالمقارنة مع دول أخرى تملك الأموال والإمكانات والخبرات والأنظمة الصحية الأكثر تقدماً، لكن يبدو وكأن "الإخوان" اعتبروا، بعدما خسروا معركة الفيروس، أن ظهور اللقاح هو معركتهم الأخيرة، إذ احتشدوا وورصدوا الموازنات ونصبوا المنصات وجهزوا الاستديوات لشن حملة واسعة ضد تحصين المصريين باللقاح، والتشكيك في فاعليته وسلامته وتأثيره، وحين أعلنت السلطات الصحية في مصر عن قرب وصول شحنات اللقاح إلى البلاد، أعتمد "الإخوان" خطاباً سياسياً واعلامياً استلهموا فيه رواية الراحل ثروت اباظة: شيء من الخوف بإشاعة الفزع ونشر الرعب بين الناس، وزعموا اولاً ان السيسي استورد اللقاح كي يحصن ضباط الجيش وجنوده وعناصر الشرطة ورجالها والقضاة وموظفي المحاكم، ثم ادعوا ان الكميات المستوردة لن تكفي لتحصين افراد الشعب وفئاته.

وقبل ان تكتمل الحملة تلقى "الإخوان" الخبر المزعج حين أعلنت وزارة الصحة ان الأولوية ستكون للأطباء والأطقم الصحية والعاملين في القطاع الطبي الأكثر تعرضاً للاصابة بالفيروس، وأن الوزارة وضعت خططاً لتحصين، من يريد من أفراد الشعب بحسب الشحنات المستوردة. المدهش والمثير للسخرية أن خطاب "الإخوان" تحوّل سريعاً لمعايرة مصر بأنها استوردت اللقاح الصيني بينما الدول المتحضرة اعتمدت اللقاح الأميركي! ونشط رموز "الإخوان" وعناصرهم من الأطباء في نشر شهاداتهم واستلهموا شعارهم الشهير: الإسلام هو الحل، وغرقوا في مستنقع الأكاذيب للوصول إلى نتيجة مفادها أن اللقاح الأميركي هو الحل!.

لم يكن الهجوم الذي استهدف اللقاح الصيني لخلاف بين التنظيم وذلك البلد الذي شهدت إحدى مدنه ولادة الفيروس، ولكن فقط لأن مصر اختارته، الا أن الضربة أتت لـ"الإخوان" من حيث لا تتوقع الجماعة، فقادة الحملة من رموز "الإخوان" الفارين في تركيا اكتشفوا أن الاتراك انفسهم بدأوا بالتحصين ضد فيروس كورونا بواسطة اللقاح الصيني، ولأنهم بالطبع يدينون بالولاء للحكم في تركيا ولا يستطيعون ابداً إبداء رأي مخالف للحكم هناك، وجدوا انفسهم في سباق لإعادة إثبات الولاء لتركيا وتقديم فروض الطاعة للبلد الذي يأويهم ويحتضنهم ويحرضهم وينفق على انشطتهم وطعامهم ايضاً، ولم يخجل كل "إخواني" كتب رأياً ضد اللقاح الصيني في أن يبدي الندم على غلطته في حق اللقاح! وأن يعود ليتغني باللقاح الصيني وفاعليته... وجماله!.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.