.
.
.
.

المتطرف {الشبكي} والخوارزميات الرقمية

د.منصور الشمري

نشر في: آخر تحديث:

اعتدنا ونحن نُقارب ظاهرة التطرف اعتبار أنها مجرد انحرافات فكريّة وعقديّة تنتمي إلى مسارات آيديولوجية متشددة، ومن هذا المنطلق أخضعنا تفاصيلها ومراحلها المفاهيمية ودقائقها وخصوصياتها المذهبية وجذورها العميقة إلى الفحص والدراسة، إلا أننا أصبحنا نواجه مؤخراً حالة تطرّف مستجدة منفصلة تماماً عن هذه الخلفية الآيديولوجية الصلبة والعتيقة، بل غير مرتبطة تماماً بكل الترسانة التسويغية التي اعتاد المتطرف التقليدي اللجوء إليها؛ فلم يعد التطرّف -والحالة هذه- نتاج تلقين آيديولوجي وعقائدي طويل مثلما عهدنا في الخطوات التقليدية للعمليات الاستقطابيّة للجماعات المتطرفة، التي كانت تُفرد سابقاً لهذا الجانب مساحة واسعة من مهامها التأطيرية والتأصيلية، بحيث تضع مناهج متكاملة تستحوذ على فكر الأتباع بشكل تدريجي، عبر دروس ودورات ورسائل مرتبة على نحو يُنمّي الذهنية المتشددة تصاعدياً؛ بدايةً من التشدّد الطقوسي المرتبط بالعبادات، إلى الراديكالية ذات الميول العنيفة، مروراً بتأزيم العلاقات الاجتماعية للأتباع في سبيل الاستفراد بهم بعيداً عن جماعاتهم الأصلية، التي تُستبدل بانتماء فعلي للتنظيم يعوّض الأسرة والوطن، وكل ذلك كان يأخذ وقتاً وجهداً ومالاً، ويقتضي بالضرورة تواصلاً واقعياً بين سماسرة التنظيمات المكلفين بالاستقطاب، والمستهدفين بهذه الآلة الجهنمية القائمة على غسل الأدمغة بطرائقها الدعويّة الماكرة.

على خلاف ذلك، لم يعد يحتاج التطرّف في صورته الجديدة، التي تطالعنا بها الأحداث الإرهابية الأخيرة، ونصادفه على كل منصات التواصل الاجتماعي، وعمليات التحريض على السياسات والدول، إلى كل هذه السيرورة البنائية لكي ينجح في إنتاج نماذج بالغة التوحش من المتطرفين، والذين لا يملكون أي خلفية آيديولوجية واضحة، ولا أي ارتباط تنظيمي رسمي، بل يَنْبجسون فجأة داخل المشهد العام دون مقدمات ولا إرهاصات واضحة تسمح للأجهزة المعنية باستباق مخططاتهم، أو لعائلاتهم بمتابعتهم، فلا جرائم سابقة، ولا انتماءات متطرفة قديمة أو حالية، إلى الحد الذي يجعلنا نكاد نقول إنهم أفراد لا تطالهم مآخذ قانونية أو اجتماعية، لذا يتجاوزون كل خطوط المتابعة والمراقبة، ومن هنا تأتي خطورتهم البالغة التي سنشير إليها.

إنَّ سطحيّة هذا النموذج الجديد من المتطرفين يفسّر في ذات الوقت تفاهتهم الآيديولوجية والتنظيمية، لكنهم في الوقت ذاته يملكون قدرة هائلة على مفاجأة جميع المعنيين بقضايا التطرف والإرهاب، فإذا كانت السطحية تُعد ملمح ضعف لدى المتطرف التقليدي، فهي في هذه الحالة مكمن خطر هذا النموذج الجديد الذي تُمكننا تسميته «المتطرف الشبكي»؛ إذ بينما كان الأول يسجّل تباينه وقطيعته الواضحة مع سياقه الاجتماعي من خلال الكثير من العلامات الثقافية، سواء على مستوى مظهره، أو معجمه الخاص في تشكيل تصوراته ومطالبه، أو نظرته الخاصة للكون، أو مفهومه عن الخلاص، وعقيدة الحياة والموت، مما كان يَسهل على المتخصصين في الآيديولوجيات ضبطه وتمييزه، فإننا نجد المتطرف الشبكي الحالي متداخلاً ومتفاعلاً مع النسيج الاجتماعي المحيط به، لا بمنطق التقيّة التي عادةً ما تُستعمل -حسب رأينا- في غير سياقها داخل التفسيرات الغربية للتطرف، على اعتبار أن دلالة هذا المفهوم تقتضي اصطلاحاً أن نعد هذا المتطرف قد بلغ درجة متقدمة جداً من التكوين الفكري، جعلته على علم بأسرار غير متوفرة لعامة المتعاطفين، لذلك كان يُخفي قناعاته ومعارفه الاستثنائية في انتظار لحظة حاسمة ليس من شأنه هو نفسه أن يحدد موعدها أو كيفيتها، فتلك مهمة موقوفة على قادته التنظيميين، على خلاف المتطرف الشبكي الذي يستمر في تفاعله المعهود مع انتماءاته الاعتيادية –اليومية- ومحيطه الاجتماعي، على نحو سلس من دون أي نيّة حقيقية في إحداث قطيعة راديكالية معه، لكنه فجأة من خلال (قرار سريع جداً) يقفز بشكل انتحاري في هوّة الانفصال الكامل عن مرجعياته السلوكية، ليقوم بعمل إرهابي، ما يجعل ردة فعل عائلته وأصدقائه تأخذ في الغالب شكل إنكار مُطلق مصحوب بصدمة وعدم تصديق أوّلي، قبل أن تُرغمهم شواهد الوقائع الملموسة على الاعتراف بالحقيقة المُرّة لتلك الكيمياء الشيطانية التي حوّلت على حين غِرّة زوجاً ودوداً، أو صديقاً لطيفاً، أو ابناً باراً، أو جاراً صالحاً إلى مجرم يتنصل بشكل جذري من هويته الوطنية، ومن كل القيم الإنسانية.

لهذا، فالسؤال المُلحّ الآن هو مدى إمكانية تفسير هذه الطفرة المفاجئة في هوية المتطرف الشبكي، ومدى القدرة على البحث عن العوامل الجديدة الخاصة التي تسهم في إفرازه كظاهرة جانبية للعالم الشبكي، وهي كلها أسئلة من الصعب الإجابة عنها بالاعتماد على المفاهيم التقليدية في مجال التطرف.

إن مفتاح الشخصية المتطرفة الجديدة يغوص في الخوارزميات التي تُنظّم العالم الشبكي والرقمي عموماً حسب علاقاتها، والتي أصبحت قادرة على ضبط وحساب مسارات روّاد العالم الافتراضي للشبكة الذين يتشكّلون على وجه التقريب من العالم أجمع، وذلك في إطار ترتيبها وتبويبها لكتلة البيانات الضخمة (Big Data) التي وصلت إلى حد من الضخامة والشمولية تتجاوز ما تستطيع مدارك العقل الإنساني استيعابه. وإذا ما استحضرنا حجم تنامي هذه البيانات، فإن ذلك سيعطينا فكرة عن حجم المضامين التي يغرق فيها العقل الإنساني المعاصر وهو يفتح يومياً محركات البحث، ويتابع ويتفاعل مع شبكات التواصل، ويتلقى بشكل لحظي كماً هائلاً من المعلومات التي تحاصره من كل جانب.

إذاً، فهذه المادة الرقمية تخضع باستمرار لخوارزميات ترتّبها إما حسب تعدادها لرواد المواقع على طريقة «Google analytics»، وإما من خلال جدولتها تراتبياً انطلاقاً من تفكيك الروابط الداخلية للمحتويات وشبكة العلاقات التي تقيمها فيما بينها، ما يمنح مشاهدة أكبر لمواد دون أخرى على طريقة «PageRank»، أو أخيراً باعتماد التتبع الرقمي الذي يعتمد بشكل أكبر على الذكاء الصناعي والتعلم الآلي في سبيل التنبؤ بسلوكيات رواد الشبكة. كل هذا يشير إلى أن كل استعمال للمواد الرقمية للشبكة هو استعمال موجه بطريقة أو بأخرى حسب الخوارزميات المنشأة، لذلك يمكن القول إن المتطرف الشبكي وهو يمارس إبحاره في هذه المادة الافتراضية، مقترباً من مواد تتضمن خطاباً متشدداً، لا يقوم بذلك اعتماداً على اختياراته الشخصية الكاملة كما يبدو الأمر في ظاهره، إنما يرتكز من حيث لا يحتسب على الخوارزميات المختلفة التي تخلق مصايد للنقر (Clickbait) بحيث توجهه بشكل مُسبق إلى مشاركة آخرين على نفس المنصة ذات المادة الرقمية، والاقتراب أكثر من بؤر اهتمام يتشابك حولها مجموعة من رواد الشبكة، وهذا ما يجعله حتى من دون إرادة مباشرة منه ينخرط من حيث لا يعلم في جماعة رقمية غير تنظيمية في أول الأمر، تتشارك الاهتمام والمتابعة، ومن ثمة تترابط وتتفاعل فيما بينها حول مواد تتضمن ولو بشكل خفيف لحساسيات متطرفة.

هذا التفاعل المستمر مع مادة تتعاظم يوماً بعد يوم من خلال الشبكة الداخلية للروابط، يُشكّل ما يمكن وصفه بـ(المزاج الشبكي لدى هذا الفرد أو تلك المجموعة)، والآلية التي يقوم عليها ذلك لا تختلف عن المجالات الأخرى، فما يوجه الاهتمام بمتابعة فريق رياضي أو مجموعة غنائية أو منتج تجاري، هو شبيه بما يسهم في خلق المزاج المتطرف المرتبط بالشبهات الدينية القائم على تداول مادة رقمية حسب إيحاءات الخوارزميات الخفيّة، تبعاً لقدرتها على خلق شحنة عاطفية وحماسية تضمن استمرار المتطرف في المتابعة، واقتسام المادة المعنية مما يضمن انتشارها بشكل وبائي، وبالتالي حينما يفكّر المتطرف الشبكي بميوله الديني، أو الآيديولوجي، ويتفاعل بشكل متحمس في التعاطي مع منتج رقمي، ومشاركته مع باقي روّاد الشبكة، تكون الخوارزميات حينئذ تخدم مطلباً آخر يتمثّل في خلق بؤر اهتمام شبكي تسمح لها بتسويقٍ أفضل للمجال الرقمي على مستوى الدعاية، ما يجعل الجماعة الرقمية المتشكّلة من المتابعين تخضع لنظام تسويقي يجعل التطرف نفسه نهاية المطاف مادة استهلاكية خاضعة لنظام العرض والطلب. وبقدر ما أصبحت عمليات الاستهلاك الرقمي موجّهة بأشكال تسويقية جديدة، تجعل المرء يشتري ما لا يحتاج إليه أحياناً، بل وتُورطه في مسارات استهلاكية كثيراً ما توقِعه في إفلاس جزئي أو كامل، فإنَّ عمليات الاستقطاب الرقمي أيضاً أصبحت هي الأخرى قادرة وعلى وجه مشابه، على أن تخلق «الجهادي» الشبكي المُوَجه، الذي هو نفسه غير قادر على أن يُبرّر انجراره نحو عمليات عنيفة تتلبسُه كنزوة استهلاكية عابرة، وقع فيها من خلال تفاعله الرقمي المتحكَّم فيه آلياً عبر تلك الخوارزميات، وهنا نُدرك سبب حرص جهات وجماعات وتنظيمات ضخ وترويج الكم الهائل لأجل استدامة المحتوى الآيديولوجي في شبكات التواصل.

ويمكننا القول إن منصات التواصل قد انتبهت متأخرة إلى هذا الإشكال العرضي المُقلق لخوارزمياتها التسويقية، وأصبحت تحت ضغط الانتقادات، لتتخذ بعض الإجراءات الاحترازية والرقابيّة حيال استعمال شبكاتها، لكن ذلك لا يبدو كافياً لمنع تشكّل هذه الكائنات الشبكية التي وجدت على نحو مفاجئ هويتها الافتراضية تتحوّل نحو مسارات مُقلقة لم تكن تترقبها مع تلك النقرات المتحمسة الأولى على روابط المادة الرقمية المتطرفة، وتصبح هذه الإجراءات الرقابية أكثر صعوبة حينما يتعلق الأمر بالمحتويات المكتوبة باللغة العربية، فهذا يمثل حتماً تحدياً لا يزال قائماً.

إن الانتشار الوبائي لمثل هذه المضامين التي تستفيد من برمجيات وخوارزميات أصبحت بفعل الأتمتة الكبرى تتصرف بما يكاد يصل إلى الاستقلالية عن التدخل البشري، أمر ينبغي أن يدفعنا جميعاً إلى تحمل مسؤوليتنا إزاء ما يحدث على الشبكة، سواء على مستوى الشركات التي هي في حاجة إلى ميثاق أخلاقي مُلزم يفرض ضرورة أنسنة خوارزمياتها، أو على مستوى المتابعين لظاهرة التطرف الذين أصبحوا مطالَبين بفهم أكبر للمجال الحيوي الرقمي المنتِج لهذا النوع الجديد من المتطرفين.

يبدو أن مواجهة المتطرف الشبكي -في رأينا- تتطلب العمل على المستوى الآيديولوجي والرقمي في آنٍ معاً، علاوة على البُعد الاستراتيجي، مما يستدعي:

- تكثيف العمل على تجفيف المرجعيات الآيديولوجية التي تغذي المادة الرقمية، التي يتعاطاها الخطاب المتطرف عموماً، وذلك من خلال منعها، ودحضها، وتعويضها بمادة مضادة تمنع تبرير التطرف.

- ابتكار خوارزميات تسمح بتداول المادة المضادة بكفاءة أكبر، بحيث تكون قادرة على الانتشار الوبائي بدلالاته الرقمية، وعلى إضعاف مرئية ورواج المادة المتطرفة.

- على المستوى المحلي والإقليمي، تأكيد ضرورة التوافق على إيجاد منطقة تقنية خضراء، ومنح صلاحية تصفية المحتوى الشبكي، والتفكير بالبدائل.

هنا، نؤكد أهمية تضافر كل الجهود للقضاء على تنامي مسببِّات تولُّد المتطرف الشبكي، والعمل على تعطيل تشكّله داخل المنصات الرقمية قبل أن يتحول إلى كائن ملموس ينفّذ عمليات عنيفة على أرض الواقع، كي يعيد التطرف من خلال الصور الإرهابية المثيرة للاهتمام الشبكي تلقيم المنصات الرقمية، لتبتدئ رحلة التعبئة الآلية من جديد، في إطار حركة عنقودية، تُحوّل من خلال تأثيرها التعبوي المتابع الشبكي إلى تابع وظيفي، تحقق التنظيمات من خلاله مآربها العملياتية، ثم تجعله بدوره مرة أخرى عاملاً استقطابياً شبكياً كبيراً، وهكذا دواليك.

إن قدرتنا على تحطيم هذه الدائرة الشبكية في مجال التطرف، وعلى تعطيل فاعليتها رهين بتحدي تطوير المنهجيات والعقليات في مجال مكافحة التطرف، وبتحصين الخوارزميات المنظِّمة للمجال الشبكي، وبتأهيل حديث ومتطور لأفراد قادرين على فهم الآيديولوجيات وتطورها. إنها معركة نواجه فيها تشوهات الفكر وأزمة التقنيات، خصوصاً ونحن أمام جيل جديد من سرعة الاتصال سيفتح آفاقاً جديدة للتواصل البشري، وهذا ما يجعلها معركة الجميع.

*نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.