.
.
.
.

وجهًا لوجه مع نجيب محفوظ

مصطفى محرم

نشر في: آخر تحديث:

ربما الوحيد الذى كان أكثرنا فرحًا وسرورًا بعودة ثروت عكاشة إلى وزارة الثقافة هو شقيق زوجته أحمد لطفى وكان يكتب القصة القصيرة، واستطاع فى الفترة الأولى من وزارة ثروت عكاشة أن يقتنص سيناريو فيلم عن قصة له بعنوان «لعبة كل يوم» من إخراج خليل شوقى، فدخل علينا أحمد لطفى فناء أتيليه القاهرة وأبلغنا بالخبر.

كان أشهر هذه القيادات نجيب محفوظ، حيث اختاره ثروت عكاشة رئيسًا لمؤسسة السينما. وعقد لكل قيادة فى الوزارة مؤتمرًا يناقش فيه مشاكل المؤسسة التى تتبع هذه القيادة، وكان من أشهر هذه المؤتمرات مؤتمر مؤسسة السينما الذى حضره معظم السينمائيين فى مصر الذى ادعى فيه حسن الإمام أنه باع ساعته لعدم وجود شغل له، وصاح رشدى أباظة بأن الذين يعملون فى مجال السينما يحتاجون إلى مصاريف تظهرهم بالمظهر اللائق، وختم كلامه بجملته الشهيرة «السينما همبكة يا معالى الوزير»، والتقط توفيق الدقن هذه الصفة وأطلق على نفسه فى معظم أفلامه اسم «همبكة».

اقتربت أحداث حياتى من الموقف الذى جعلنى أقابل نجيب محفوظ وأتحدث معه وجهًا لوجه. فقد كان ذلك فى عام ١٩٦٦، لا أذكر بالضبط، حيث تم الانفصال بين الإذاعة والتليفزيون والهندسة الإذاعية وبين «المؤسسة المصرية للسينما والمسرح والموسيقى» وأصبحت المؤسسة الأولى تابعة لوزارة الإرشاد «الإعلام فيما بعد»، أما الثانية فقد أصبحت تابعة لوزارة الثقافة. نتيجة ما حدث انتقلنا للعمل فى مؤسسة السينما ووجدت نفسى أنا وصديق العمر رأفت الميهى فى إدارة التخطيط والمتابعة التى يرأسها أحد الموظفين القدامى وهو جمال أمين الذى كان يعمل من قبل فى مؤسسة دعم السينما، وهو إنسان دمث الأخلاق جدير بالاعتراف وأبدى سعادته بوجودنا موظفين فى إدارته.

ولكنى أنا ورأفت الميهى لم نجد فى هذه الإدارة ما كنا نتصوره أو ما يرضى طموحنا السينمائى؛ فقد كنا نتصور أن التخطيط هو أهم شىء فى صناعة السينما وأن خطة إنتاج الأفلام توضع فى هذه الإدارة والقيام بمتابعة تنفيذها، ولكن للأسف وجدنا شيئًا آخر وهو مجرد رصد معلومات تأتينا من جهات الإنتاج فى شركة فيلمنتاج وشركة القاهرة للإنتاج السينمائى. وعندئذ طلبنا نقلنا إلى شركة «كوبرو فيلم» التابعة أيضًا لمؤسسة السينما ولكنها تختص بالإنتاج العالمى المشترك. وكان يرأس هذه الشركة شخص لم نكن نعرفه أو نسمع عنه يدعى فتحى إبراهيم، ويقال إنه فى البداية كان مدير سينما كايرو ثم أصبح مندوبًا لشركة فوكس للقرن العشرين فى مصر، كانت هذه الشركة مشاكلها كثيرة وإنتاجها هزيلًا يدور حول الأفلام الفرعونية وسرقة الآثار والدعارة. وبدلًا من أن ترفع هذه الأفلام التى أنتجتها الشركة اسم مصر عاليًا وتساعد على الجذب السياحى إذا بها تهبط باسم مصر إلى الحضيض وتقوم بتطفيش السائح الأجنبى الذى خشى أن يخوض مستنقع السرقة والتهريب والدعارة.

وعندما انتقلنا للعمل فى شركة «كوبرو فيلم» وجدنا الإنتاج متوقفًا ولم نعمل حتى فيما كنا نحلم به؛ حيث كثرت المشاحنات بيننا وبين رئيس الشؤون الإدارية، ووصل الأمر إلى أنه أسند إلينا وظيفة لا تليق بنا وهى تولى مسألة حضور وانصراف الموظفين، ووصلت الأمور بيننا وبين هذا الموظف إلى الشتائم والتهديد بالاشتباك، فلم نجد مفرًّا سوى مقابلة رئيس المؤسسة نجيب محفوظ.

ولم تكن مقابلة نجيب شيئًا سهلًا، خاصة أن مدير مكتبه، وهو كاتب السيناريو سامى غنيم، كان يحيط مقابلة نجيب محفوظ بما يشبه الستار ويبرر أفعاله بأن الأستاذ مكبل بكثرة العمل؛ حتى إنه لا يغادر مكتبه إلا فى ساعة متأخرة من الليل، وأنه مشغول فى تلك الأيام بمناقشة سيناريو فيلم «البوسطجى» مع كاتبى السيناريو والمخرج، ولكن لإصرارنا وتهديداتنا لم يجد سامى غنيم سوى الرضوخ، وحدد لى ولصديقى وزميلى رأفت الميهى موعدًا.

قابلنا نجيب محفوظ بترحاب وابتسامته المعروفة تضىء وجهه، كنا نأمل أن يكون عنده حل لمشكلتنا.. حل فورى على يديه، سألنا عن أحوالنا وأخبارنا وعندما تحدثنا معه أخبرنا بأنه يذكر أنه وقَّع على قرار طلبنا للعمل فى شركة «كوبرو فيلم» على اعتبار أننا سوف نمارس عملًا فنيًّا يشبع رغبة كل منا، فأخبرناه بأننا وجدنا هناك كل ما يسىء إلينا ويهدر كرامتنا، وأخبرناه بكل ما حدث لنا فى تلك الشركة المنكوبة. أنصت إلينا فى اهتمام، ولكن لم يبد عليه أى تأثر. كانت نظراته محايدة التعبير. انتظرنا منه أن يستنكر ما حدث ويعدنا بتصحيح وضعنا، فإذا به يخبرنا فى هدوء بأن هذا هو حال العمل فى الحكومة وقسَّم العمل الرسمى فى مصر إلى قسمين لا ثالث لهما: القسم الأول أعمال سكرتارية والقسم الثانى حسابات، وسألنا فى استنكار ماذا نظن غير ذلك؟ وللحديث بقية.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.