.
.
.
.

العراق.. ومتلازمة الضعف

أمير الشبلي

نشر في: آخر تحديث:

تمتلك الدولة قدرات معينة تمارس من خلالها الدور الوظيفي المتعالي على جميع التناقضات الاجتماعية عبر مؤسساتها الرسمية. فإن ضعف أو انعدام تلك القدرات في الدولة سوف يجعلها عرضة لاختلالات عدة تؤدي في النهاية إلى حالة عدم الاستقرار بشكل عام,فضلاً عن إن حالة الضعف تلك, تعد مؤشراً على عدم فاعلية مؤسسات النظام السياسي. وبالتالي فلا تستحق أن تستمر في إدارة الدولة,لكونها مؤسسات فاقدةً للأهلية السياسية والقانونية في تنظيم المجتمع.

ولقد أوضح كل من ( جابرييل إيه الموند و جي بنجهام باول الابن ) في كتاب السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر نظرة عالمية. القدرات التي يجب أن تتوفر في الدولة ومنها:(القدرات الاستخراجية والتوزيعية والتنظيمية والرمزية ). وعند مقارنة تلك القدرات مع حالة النظام السياسي العراقي بعد عام 2003, نرى متلازمة الضعف .

فالقدرات الاستخراجية, تُعنى بقدرة النظام السياسي على الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية وتوظيفها توظيفاً سليماً,بما يساهم في تحقيق الاستقرار السياسي والمجتمعي والاقتصادي. فمن هذه الناحية اعتمد النظام السياسي بشكل مباشر على مورد النفط,دون استغلال الموارد المعدنية الأخرى والموارد غير النفطية, كالزراعة والصناعة وتوظيفها من أجل تحقيق التنمية المستدامة. إذ شكلت نسبة مساهمة النفط في الايرادات العامة التي أقرتها الموازنات الاتحادية العامة في السنوات العشر الأخيرة على الآتي, ففي عام 2011 نحو 94%. وفي عامي 2012و 2013 نحو 97%. وفي عام 2015 نحو 83%. وفي عام 2016 نحو 85%. وفي عام 2017 نحو 86%. وفي عام 2018 نحو 84%. وفي عام 2019 نحو 88%. أما في موازنة 2021 المسربة فإن نسبة مساهمة الإيرادات النفطية تشكل نحو 79%. أما الإيرادات غير النفطية كالضرائب والرسوم والمنح فهي متفاوتة, فلا تتجاوز مساهمتها في الإيرادات العامة أكثر من 10%. في أحسن الظروف. وبهذا وصفت الدولة العراقية بإنها دولة ريعية,

لذا اهتمت النخب السياسية بالنفط وعملت على تخصيص العوائد النفطية لأغراض الاستهلاك لخلق جماعات وأجهزة موالية لها. عبر سياسات رفع مقدار الرواتب والمساعدات والمنح والتعويضات,لخلق تصورا ًعاما ًبأن هذه النخب هي افضل من غيرها في إدارة مؤسسات النظام السياسي,وصولا ًللاحتكار والهيمنة السياسية. وعلى الرغم من ان هذه السياسات تحقق منافع اجتماعية,إلا أنها في ذات الوقت لاتقود إلى نمو حقيقي,وإنما نمو وهمي وهش. لأنها لاتساهم في عملية تطوير الاقتصاد المحلي لضعف القاعدة الصناعية في العراق, ولتوجه المجتمع نحو الاستهلاك الخارجي ( المستورد) .

أما القدرة التوزيعية والتي تتعلق بقدرة النظام السياسي على توزيع السلطة والثروة والخدمات والتخصيصات والمنافع على الافراد والجماعات بما ينسجم مع معايير العدالة التوزيعية. إذ نلاحظ إن النظام السياسي العراقي يعاني من ضعف أو سوء في التوزيع من خلال مؤشرات مالية عدة منها:زيادة النفقات التشغيلية على حساب النفقات الاستثمارية. إذا تجاوزت النفقات التشغيلية في السنوات الخمس الأخيرة نسبة 70% وفي موازنة 2021 المسربة فإن مقدار الانفاق الجاري شكل نسبة 81% من اجمالي النفقات. أما النفقات الاستثمارية التي تعكس قوة الخدمات والاقتصاد العراقي فإن نسبها لاتتجاوز 25% وإذا ما تم استخراج نسبة العجز المالي وقيم الفساد, فإن النفقات الاستثمارية لاتتجاوز نسبة 10% كنفقات حقيقية. مما انعكس ذلك سلباً على تقديم الخدمات العامة وتأخر إنجاز المشاريع وعدم النهوض بالقاعدة الصناعية مما جعلت العراق أسيراً لاقتصادات دولٍ أخرى.

فإن هذا التوزيع جعل الدولة غير قادرة على استيعاب النمو السكاني, والذي يقدر نحو أكثر من 800 ألف نسمة سنوياً. وغير قادرة على تقديم الخدمات التربوية والصحية والبنى التحتية وغيرها. إذ أن التخصيصات المالية المخصصة لتلك القطاعات لم تتجاوز نسبة 3% من إجمالي النفقات العامة.

أما القدرات التنظيمية والتي تتعلق بقدرة النظام السياسي على ضبط الصراع والسلوكيات بما يتوافق مع مبادئ وفلسفة النظام السياسي .

فإن انتشار الفساد المالي والإداري والسياسي والإثراء على حساب المال العام والخدمة العامة. والتضخيم المالي للمشاريع. وهيمنة اقتصاديات الأحزاب والقوى السياسية على إدارة مشاريع الوزارات. وعدم القدرة على محاسبة الفاسدين,وانتشار السلاح والفصائل المسلحة بمسميات عدة. وهيمنة الأحزاب على سوق العملة,والمنافذ الحدودية,وانتشار الإتجار بالمخدرات وغيرها. وجميع تلك المظاهر تدل على أن هذه المؤسسات فاقدة للقدرة لضبط الجماعات الثانوية والأفراد .

أما القدرات الرمزية والتي تُنعى بقدرة النظام على استخدام الرموز والشعارات والفاعليات التي تؤكد على وحدة الدولة، وتدعو إلى تحقيق الانسجام الوطني, كالتركيز على المشتركات الحضارية الكبرى والابتعاد عن المفترقات الثقافية الصغرى بحسب تعبير (علي الدين هلال ونيقين مسعد). فإن النظام السياسي العراقي ما زال غير قادر على تشريع قانون ينظم المناسبات الوطنية والدينية فيه, بسبب عدم انسجام القوى السياسية وتنامي الخطاب القومي والطائفي.

وفي قبال ذلك,نلحظ أن الأحزاب والقوى السياسية التي حكمت بعد 2003 تمارس ادواراً وتمتلك قدرات لم تستطع الدولة من تحقيقها. إذ استطاعت الأحزاب من أن تنوع نشاطاتها الاقتصادية, من خلال إقامتها لمشاريع صناعية وتربوية و صحية واستثمارات داخلية وخارجية، تُعد أكثر كفاءة من مشاريع الدولة. وفرضت سطوتها على المجتمع من خلال انتزاعها لوسائل الإرغام والإكراه والتأثير, والتي تعد اختصاصاً حصرياً للدولة. وعملت على تقنين الفساد في المؤسسات الحكومية الرسمية, وكافحت الفساد في مؤسساتها, وشرعت قوانين تخدم مصالحها. و اسست علاقات دولية أكثر من الدولة نفسها. وبذلك نجحت هي وأفسدت النظام وأضعفت الدولة.

وجميع تلك الأمور تدل على حقيقة واحدة وهي,عدم إيمان القابضين على السلطة وقياداتهم بالدولة. فلا يمكن أن تُبنى دولة بدون إيمان القابضين عليها ,كما لايمكن إنتاج حكم ديمقراطي بدون نخب سياسية ديمقراطية ... لذا فإن متلازمة الضعف جاءت نتيجة حتمية لسلوك النخب الحاكمة المنحرف.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة