.
.
.
.

المؤامرة.. عندنا وعندهم

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

اجت الأقاويل والأحاديث فى معظم دول العالم، بأن هناك مؤامرة كونية وراء انتشار «كوفيد-١٩»، ومؤامرة أخرى اسمها اللقاح الذى تم التوصل إليه مؤخرا.

هذه المرة لم يعد القول بالمؤامرة قاصرا علينا نحن أبناء المنطقة أو الثقافة العربية، لكن وجدناه كذلك فى الولايات المتحدة وفى أوروبا، أقصد أبناء الثقافة الغربية، وتمتلئ الشبكة العنكبوتية بالكثير من الآراء تصدر عن أفراد يقدمون أنفسهم باعتبارهم أطباء أو باحثين كبارا يحاولون تأكيد المؤامرات وراء ظهور الفيروس وكذلك الأمصال، واندهش نفر منا أنه فى الولايات المتحدة وفى أوروبا بدرجة أقل، هناك من يعتقد بنظرية المؤامرة، يبدو أن هؤلاء المندهشين صدقوا النظريات الاستشراقية (العنصرية) التى تجعل القول بالمؤامرة سمة أساسية فى العقلية الشرقية عمومًا والعربية خصوصا؛ ويعلمنا التاريخ الإنسانى أن الحياة الإنسانية لا تخلو من المؤامرة والتآمر، لكن الذهاب إلى أن كل شىء فى هذا العالم وليد المؤامرة، صعب قبوله أو القول به، إذا كانت المؤامرة أحد الجوانب الشريرة واللاأخلاقية فى هذا العالم فإن جوانب الخير أكثر، وهذا سر تقدم الحياة والإنسانية.

يعلمنا التاريخ أيضا أن القول بالمؤامرة حالة إنسانية تنتاب بعض الأفراد أو المجتمعات فى لحظات الأزمة والضعف أو مع الشعور بالعجز أمام موقف أو ظاهرة بعينها، وهكذا فإن انتشار كورونا باغت الأمريكيين والأوروبيين وكشف عجز النظام الطبى والصحى لديهم.

فى بداية الأزمة اعتبر الرئيس ترامب أن الوباء صينى خالص، أصاب الصينيين والآسيويين، لكن ما لبث أن انتقل اليهم سريعًا وبدأ التخبط فى التعامل معه، بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا تمسك فى البداية بنظرية مناعة القطيع وثبت فشلها، ترامب ظل متمسكًا أن الفيروس أزمة صينية، وبإزاء ذلك انتشرت لفترة مقولة إن الفيروس تم تخليقه فى معامل ووهان الصينية، وهو قول لم يثبت، لكنه مازال يتردد إلى اليوم.

ومع ذلك فإن تصور المؤامرة عند بعضنا، له منطلق وخلفية، غير تلك التى لدى بعض الأمريكيين والأوروبيين.

فى بداية الوباء، الشتاء الماضى، انتشر لفترة القول إن ظهور الوباء انتقام إلهى أو عقاب من الله للصين والصينيين، قال بذلك بعض الإسلاميين وبعض المسيحيين واليهود، كل لديه أسبابه ومبرراته، وكان مدهشًا أن يردد هذه المزاعم، مؤمن بالله الواحد، الأحد، ذلك أن قضاء الله وقدره ليس محكوما باعتباراتنا ومشاكلنا الخاصة، والثابت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نصح أتباعه إذا حل الطاعون ببلد هم فيه فلا يجب أن يغادروه وإن كانوا خارج ذلك البلد فلا يجب أن يدخلوه، وهذا ما يسمى العزل الصحى فى عصرنا، هذه النصيحة النبوية تعنى أن المسلمين ليسوا محصنين من أن يتعرضوا لوباء، يضاف إلى ذلك أن التاريخ الإسلامى عرف «طاعون عامواس» بفلسطين، فى زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، راح فيه عدد من كبار الصحابة، مثل أمين الأمة، أبوعبيدة بن الجراح، ولا يمكن القول إن ذلك الطاعون كان عقابًا أو انتقاما إلهيا، الله أرحم بالناس جميعا، ومن حسن الحظ أن مقولة العقاب أو الانتقام الإلهى لم تصمد كثيرا أمام انتشار الفيروس وإصابة بعض علماء ورجال الدين به، من مختلف الأديان، وفى معظم أنحاء العالم، فضلًا عن أن الوباء تراجع كثيرا وسريعا فى الصين، بينما انتشر خارجها.

القول بالمؤامرة عند بعضنا، ينطلق غالبا من رفض للعلم ودوره الإيجابى فى حياة الإنسان، الإنفلونزا الإسبانية فى نهاية الحرب العالمية الأولى، حصدت أكثر من خمسين مليون مواطن فى سنوات ثلاث، وهناك بعض التقديرات تقفز برقم الضحايا إلى أكبر من ذلك، كورونا بكل هذا الانتشار مازال ضحاياها عند الحدود الدنيا قياسا على الأوبئة السابقة فى التاريخ، وما ذلك إلا بفضل التقدم العلمى فى وسائل الوقاية والعلاج الذى تم توفيره من اللحظات الأولى، حتى قبل الوصول إلى اللقاح الخاص به، من أسف، لم يصبح العلم بعد بمناهجه مكونا رئيسيا فى ثقافتنا وحياتنا، مازالت مجتمعاتنا تتعثر فى الانحياز للعلم، الأسباب عديدة ويطول فيها الحديث، عدم الالتزام بالإجراءات الاحترازية مصدره الأساسى تصور أن الفيروس مجرد وهم جرى اختلاقه وتضخيمه، فريق ذهب إلى أن الوهم والمخاوف البالغة جرى تصديرها إلينا، لتحكم القوى الكبرى سيطرتها على العالم وإننا بإزاء تطاحن صينى/ أمريكى والفيروس أحد تداعيات ذلك التطاحن، البعض الآخر انتهى إلى أن الإجراءات الاحترازية، حيلة حكومية للسيطرة على المواطنين، وهناك من تصور القضية مجرد لعبة لإغلاق بيوت الله، ولم نعدم من قال إن كل الإجراءات الوقائية هى تدخل أو محاولة اعتراض على قضاء الله وقدره، وسخر هؤلاء من إجراءات الوقاية وخطوات العلاج.

والحق أننا فى بعض اللحظات نجد أن الأمر صار أشبه بموقف جحا وابنه والحمار، ركب الأب الحمار وحده فاتهم بالأنانية لأنه ركب وحده وترك ابنه الغر الصغير ماشيًا، نزل هو وركب الابن، اتهم الابن بالوقاحة وقلة الأدب أن ركب دون أبيه المسن، ركبا معا فاتهما بالقسوة البالغة، إذ لا يحتملهما الحمار، نزلا وسارا إلى جوار الحمار، سخر منهما الجميع واتهما بالبلاهة، أن يسيرا إلى جوار الحمار دون ركوبه، الآن يرى البعض أن الوباء مؤامرة، الإجراءات الاحترازية مؤامرة أيضا، وإذا أهملت أى حكومة أو تجاهلت الوباء، تعتبر حكومة مهملة وفاشلة، بل متآمرة على حياة مواطنيها، نفس الشىء بالنسبة للمصل، قيل إن الهدف منه العبث بالحامض النووى للإنسان وقتل حوالى٨٠./ من البشرية قاطبة لتخلو الكرة الأرضية للصفوة المختارة فقط، إذا طلبت الدولة من مواطنيها تلقى المصل فإنها تشارك فى المؤامرة، وإذا لم توفر المصل اتهمت بالإهمال وأنها تترك مواطنيها فريسة للفيروس، الدول التى صنعت المصل تتهم إذا مدت اليد إلينا وقدمت المصل أو سمحت لنا بتصنيعه، وإذا حدث ورفضت أن تقدم ما لديها، اتهمت بالاحتكار وأنها تريد ترك الشعوب الأخرى للموت، هل نتذكر غضب الإيطاليين الشتاء الماضى، حين تباطأت فرنسا وألمانيا فى إمدادهم بالكمامات وأجهزة التنفس الصناعى؟.

وإذا كان الأمر عند بعضنا، مصدره عدم اقتناع خفى بالعلم ودوره فى حياة الإنسان، فإنه لدى الأوروبيين والأمريكيين ناتج غالبا عن عدم توفر جميع الضمانات العلمية المعتادة، مثل إن المصل تم التوصل إليه سريعًا، أقل من عام، وفى العادة يستغرق التوصل إلى أى علاج أو مصل، سنوات عدة، كما أن الفترة التجريبية لاستعمال المصل وإقرار صلاحيته تكون أطول، قد تستغرق عامين أو أكثر، فضلا عن أنه يتم تجريبه على أعداد أكبر من المواطنين، هناك أيضا عدم ثقة فى بعض المصالح والتكتلات الاقتصادية (الصناعية)، الحديث يتزايد هناك حول فساد بعض الرأسماليين الكبار وانهم يعملون للربح فقط، الربح للربح، حتى لو كان على حساب شعوب بأكملها، طبعا لا يخلو الأمر من تنافس شركات الدواء، وكل شركة يكون لديها حشد من عمليات الدعاية وضرب المنافسين، من عينة أن الرئيس الأمريكى المنتخب جو بايدن تلقى المصل، الذى أنتجته شركة فايزر، فيكون التعليق لدى البعض، إنها حقنة فيتامين وليست المصل أو من أدرانا أنه المصل؟ إنها حالة من انعدام اليقين، الواضح أن الاستقطاب والانقسام السياسى الحاد فى كثير من البلدان والدول قاد إلى انقسام واستقطاب أيضا فى القضايا والأمور المصيرية، مثل «كوفيد-١٩».

وإذا كان هناك من يرفعون شعار المؤامرة، فإنهم ليسوا وحدهم ولا هم كل المشهد، بل إنهم ليسوا أغلبية، هناك كذلك علماء كبار وجامعات عظيمة ومعامل ومراكز أبحاث تعمل بلا كلل، ولا يعبأ هؤلاء العلماء بكل ما يقال، يعرفون واجبهم تجاه العلم والإنسان، وقد نجحوا فى فك الشفرة الوراثية للفيروس وتوصلوا إلى مصل ناجع بنسبة كبيرة وفى زمن قياسى، وهذا هو الفارق بيننا وبينهم فى القول بالمؤامرة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.