.
.
.
.

أزمة الخليج... طالت وامسخت

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

صباح الثلاثاء الماضي، أصدر مجلس الوزراء بياناً فيه إشارة إلى دعوة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز لحضور اجتماع المجلس الأعلى لقادة دول مجلس التعاون في دورته الـ41، كما اطلع على رسالة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد يعبّر فيها عن التقدير لدور سمو الأمير ومساعيه الطيبة للتوصّل إلى إنهاء الأزمة الخليجية، استكمالاً لجهود الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، لتحقيق هذه الغاية السامية، كما عبّرت مختلف المصادر الخليجية عن التفاؤل بحصيلة قمة الرياض التي ستُعقد غداً، وفي بيان من وزير خارجية روسيا (لافروف) بعد محادثات مع وزير خارجية قطر عبّر فيه عن أمل روسيا في تجاوز الأزمة، مشيراً إلى علاقة الشراكة والصداقة التي تربطها مع جميع دول المجلس، لتجديد وحدة المجلس وقدرته على أداء مهامه لتطبيق الأفكار المتعلقة بضمان الأمن في منطقة الخليج. في عام 1980، كنت في الأمم المتحدة أستمع إلى مفردات القلق العالمي، الذي تواجد داخل القاعات حول استقرار منطقة الخليج في ضوء الإفرازات التي تسيّدت المنطقة، الانقسام العربي مع مبادرة السادات، ثورة إيران وطموحاتها، الحرب العراقية ــــ الإيرانية، غياب الاطمئنان حول مسار الدبلوماسية النفطية الخليجية، كان العالم في استعجال لمبادرات إقليمية تريحه بتأمين سلامة الطاقة ووصولها إلى دول العالم الأول، وهي أوروبا وأميركا، واليابان.

كان صوت العالم يترجم المكانة الخاصة لدول الخليج في استراتيجية الأمن والسلام العالمي. تركت الأمم المتحدة متجهاً إلى قمة أبوظبي في مايو 1981، لتوقيع القادة على وثيقة قيام مجلس التعاون، وكان حظِّي المبتسم أن أجلس في الصف الأول حول الطاولة المستديرة إلى يمين المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. ما أجمل تلك اللوحة التاريخية التي احتوت في موقف مصيري دول الخليج الست بتجاربها المختلفة. كانت الإمارات واحة التسامح المتعالي، واستقر هذا التسامح في دبلوماسيتها، وأنظر إلى المرحوم الملك خالد بن عبدالعزيز فأتفحص فيه قصة تروي مسار الدبلوماسية السعودية، بخليط من الغليظ عند الضرورة، والناعم عند السكينة، وبخاصية الشيخ خليفة بن حمد، أمير قطر، وفيه دبلوماسية فيها رنين الاقتحام وراحة الامتثال، وبجواري إلى اليمين الشيخ عيسى بن سلمان أمير البحرين، وتعبيراته، وفيه طهارة الصالحين وأبهة النبلاء، وأدقق في كلمات جلالة السلطان قابوس شارحاً دبلوماسية حذر المجربين وعزم الصامدين، كان الشيخ جابر الأحمد الجابر، أمير الكويت، على يسار مقعد رئيس الاجتماع (الشيخ زايد) يتحدث عن دبلوماسية كويتية تتشكل من انفتاح المطمئنين وصحبة الخيرين. هؤلاء قادة مجلس قوته في عقلانيته في إدارة ما يملك، ودماثته في ترابطه الانساني، وعفته في اختلافاته، ولطافته في صون حقوقه، ورسم قاعدة ملوكية لعلاقته بين الأعضاء، تأسست على الثقة المطلقة والاطمئنان الراسخ، والشراكة في المواجهات والمكتسبات، ونظرة جماعية إلى أن تربة الخليج مسؤولية جماعية ينهض بها الجميع وفاء للتاريخ واعترافا بالجغرافيا، وتحصيناً لمنابع الثورة والقوة، وانسجاماً مع توقعات الأسرة العالمية..

هكذا كان مناخ القمة الأولى، ولم ينخفض مناخ الألفة والسكينة، وسار المجلس بواقعية استراتيجية سياسية، ورغم أن النظام الأساسي للمجلس لا يحتوي على الشأن العسكري فإن القادة أدركوا في القمة الثانية في الرياض ضرورات الانسجام مع حتمية الواقع، فتجددت المداولات حول علاقة السلطنة مع اليمن الجنوبي، وتحرّشات ما تسمّى جبهة تحرير ظفار، وهي تجمع مغامرين برعاية حكومة عدن، فكان قرار القادة إرسال وفد عسكري إلى السلطنة لإجراء مسح واسع على الطبيعة، مع تفويض كل من الإمارات والكويت للتواصل مع حكومة عدن لإنهاء التدخلات في شؤون السلطنة. ونرى هنا المزج الملائم بين دبلوماسية المجلس الناعمة وبين آليات العزم للحفاظ على أمن السلطنة، وانتهت هذه المعضلة، لأن المجلس حل مكان السلطنة في المواجهة، وهذا ما ذكره لي رئيس اليمن الجنوبي «علي ناصر» عندما قابلته مبعوثاً لدول المجلس.. مرت أزمات عدة في سماء المجلس، كانت التباينات في قضايا الحدود أكثرها إزعاجاً، وما زال صوت قطر يرن في أذني بضرورة إزالة هذه الخلافات وحلها، لأنها عائق في وجه المسيرة، كان الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر السابق يرددها.. كانت دبلوماسية المجلس استمرار زخم المسيرة وتكاثف الحصاد والأرباح فيها ستقلم أسنان علاقات الحدود، كانت هذه النظرة الجماعية، وكنت أضغط على رواجها، ومع ذلك فقد طغت الخلافات بين البحرين وقطر في عام 1986، وتدخل فيها المرحوم الملك فهد، وفوّضني ممثلاً له، ناقلاً نقاطاً لحلول ممكنة، واستطاع المجلس تطويقها، لكن لم ينهها، وظلت تبث الغيوم في السماء إلى أن تصاعدت في قمة الدوحة في ديسمبر 1990..

كان الهم الأكبر تخليص الكويت من الغزو، فكان لا بد من الخروج بوصفة فيها زمن محدد للدبلوماسية الخليجية، وعند تعثرها تذهب إلى خارج فضاء المجلس، بحثاً عن حل. وتعمقت دروب المسيرة في الأمن والدفاع والمخابرات ترجمة لاستراتيجية المسؤولية الجماعية للحفاظ على أمن الدول وسيادتها، وجاءت مشكلة الحدود بين المملكة وقطر، ورغم الصخب الإعلامي، فقد نجح الطرفان في وضع تفاهم نهائي أنهى الملف المثير، لم تنقطع الاتصالات ولم تسحب السفراء ولم يخرج مفهوم المقاطعة، كانت المقاربة سلامة الأرض والأمن وحماية المسيرة وترسيخها وصون المجلس. لم تعرف بيئة الخليج مقاطعة الشعوب ولم يأت على البال وضع شروط على تنقلاتها، ولم تصل إلى الخليج معاني الحصار، كانت ساحة الهضم واسعة، والقدرة على امتصاص شحنات العواطف لائقة، مع التجلّي المتوارث في التسامح والتعالي على منغّصات واقع الحياة. حزنت كثيراً عند سماعي لبيانات المقاطعة في شهر يونيو 2017، وحزنت أكثر لأن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد ـــــ الذي تحمّل مسؤولية الرعاية في جعل مقترح الشيخ جابر الأحمد حول التعاون الخليجي إلى واقع مؤثر انطلق في الفضاءين العربي والعالمي، كقوة استقرار وأمان في العلاقات بين الأسرة العالمية ـــــ يُفاجأ ويستفسر مثلنا عن هوية هذه المقاطعة. لم تؤثر المفاجأة في تصميمه بإعادة الحياة إلى ضلوع المجلس، ورفض الاستكانة إلى حدة الخلافات، فانطلق متنقلاً وواصل متوسطاً، وسافر حاملاً مقترحات، وتجول بين المدن متابعاً من دون ضجر، كنت أتحدث معه عن حتمية من نجاح مساعيه، ليس ترجمة لإصرار شعب الخليج على حيوية المجلس، وإنما امتثالاً لضرورات شروط استراتيجية الأمن والاستقرار التي تتوقعها جميع أطراف الأسرة العالمية من دول المجلس. كانت تنقلات الشيخ صباح الأحمد، أمير الكويت، وضخامة جهوده، موضوعاً لاحقته الأمم المتحدة وقيادات العالم، وبعضها تطوّع لتعزيز مساعي أمير الكويت، بالتواجد في بطن المشكلة، كما رأيناه مع الرئيس ترامب الذي ظل يتكهن بقرب انفراجها، وقد يخرج من البيت الأبيض قبل أن نطويها نهائياً. في أول سنة من قيام المجلس، تلقيت دعوات لزيارات إلى عواصم أوروبا، لندن، باريس، بون، والاتحاد الأوروبي، وواشنطن، لان هذه الدول رأت في قيام المجلس الوصفة المناسبة للحفاظ على أمن الخليج واستقراره، وذهبت إلى هناك ناقلاً فلسفة المجلس وتوجهاته، وكان شعور هذه الدول أن هناك في الخليج قيادة مؤتمنة على سلامة أكبر مواقع الطاقة والسهر عليها والتعامل معها بالعقلانية، والإدرك لأهميتها ودورها في أمن العالم، وفي استقراره. كانت إشادات بحكماء الخليج، وإعجاب بسلاسة تعاملهم مع منابع الطاقة.. نحن في منظور العالم الصف الأول في تأمين وقاية هذه المنابع، وقوى العالم تساندنا عند الضرورة، كما رأيناها في واقع تحرير الكويت من قبضة الجاهل البلطجي صدام حسين. ليس بالضرورة أن يخرج لقاء الغد بوصفة متكاملة للحل، وإنما المطلوب وقف كل الأنشطة التي تشحن الخلاف، مع تأكيد حسن النوايا والانفتاح، مع تبني مؤشرات مستقبلية لتأكيد الحل القادم. كان الشيخ جابر الأحمد، أبرز حكماء المجلس، يردد بأن المجلس هدية الآباء لجيل المستقبل، في تأكيد على استمرار البقاء واليقين بحصاد زاخر.

وكل عام وأنتم بخير...

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة