.
.
.
.

المشككون فى اللقاح

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

لم تنته الخسائر والاضطرابات التى سببها فيروس «كورونا» لعالمنا، ولم تتوقف عن إرهاقنا وإرباكنا وإلحاق العواقب الوخيمة بنا، ويبدو أنها ستدوم معنا فترة من العام الجديد على أمل أن تنتهى قبل أن يودعنا بدوره.

لكن أحدث المشكلات التى يباغتنا بها هذا الفيروس الخطير ليست سوى مشكلة يشهدها العالم راهنًا بخصوص اللقاح؛ إذ يتم طرح عديد الأسئلة عن جدوى اللقاح أساسًا، وعن الفروق العلمية بين اللقاحات المختلفة التى يستخدمها العالم أو يستعد لاستخدامها، وعن الإجراءات المعيارية التى تم اتباعها قبل الموافقة على استخدام لقاح بعينه. أما أخطر هذه الأسئلة جميعها فليس سوى السؤال المتعلق بما إذا كانت إتاحة اللقاحات نفسها، أو إجبار السكان على تعاطيها، أو الإيعاز بذلك والإلحاح عليه، تشكل مؤامرة على البشرية أم أنها طريقة مأمونة وضرورية لمواجهة تداعيات الجائحة.

ولأن معظم الجدل الدائر بخصوص هذا السؤال الأخير تحديدًا يتفاعل فى المنصات الإعلامية «التقليدية» و«الجديدة»، ولأن هذا التفاعل يؤثر بشكل واضح، وأحيانًا حاسم، فى توجهات الرأى العام المحلى والدولى حيال اللقاحات المتوافرة وجدوى تعاطيها، فإنه يمكن القول إن معظم تلك المعركة يقع فى الجانب الإعلامى بقدراته الآخذة فى التصاعد على التأثير غالبًا والحسم أحيانًا.

فى العام 2014، حدثت واقعة مهمة فى أستراليا يمكن أن تلقى الضوء على هذا الإشكال؛ إذ قررت وزارة التجارة العادلة الأسترالية تغيير اسم إحدى منظمات المجتمع المدنى من «شبكة التطعيم»، إلى «شبكة التشكيك فى التطعيم»، كما أزالت الإعفاء الضريبى الذى تتمتع به الشبكة بوصفها «عملًا خيريًّا»، وألزمتها بعدم «ترويج معلومات مضللة».

وكانت تلك الشبكة قد سخرت نفسها لتقديم معلومات وصفت بأنها «منزوعة من السياق وغير دقيقة» بشأن ما قالت إنه «أضرار التطعيم» ضد الأمراض، ونشطت فى تشكيك الجمهور فى عمليات التطعيم، إلى حد أن السلطات وجدت تراجعًا ملحوظًا فى نسب الإقبال على التطعيم فى البلاد، واستطاعت أن تربط بين هذا التراجع ونشاط الشبكة.

تعترف أستراليا بالحق فى حرية الرأى والتعبير، ويتم تصنيفها فى مراتب متقدمة فى مؤشرات حرية الصحافة العالمية المعتبرة، لكن السلطات وجدت، مع كل هذا، أن «إطلاق حق بعض الأشخاص أو المنظمات فى تقديم معلومات مضللة للجمهور، يمكن أن يضر بمصلحة الأفراد وبالمصلحة العامة».

يؤدى إحجام بعض الأفراد عن التطعيم أحيانًا إلى انتشار أمراض بعينها، وبالتالى إصابة آخرين، ولذلك، فقد تدخلت الحكومة للحد من أنشطة تلك الشبكة، وألزمتها بتغيير اسمها لـ «يكون منظورها واضحًا».

حين وجدت الحكومة أن المعلومات التى تقدمها الشبكة «مضللة وغير مبرهن عليها ومنزوعة من سياقها»، قامت على الفور باتخاذ إجراءات للحد من تأثيرها «الضار»، ولم يثر هذا الإجراء أى قلق بشأن حرية الرأى والتعبير.

يعطينا هذا المثال فكرة واضحة عن الدور المنوط بالحكومات القيام به فى حالة وجود أضرار صحية مؤكدة نتيجة لإشاعة أفكار أو معلومات غير موثوقة فى المجال الإعلامى بخصوص الأمراض والجوائح.

وفى حالة «كورونا» يجب أن يكون للحكومات المعنية بصحة مواطنيها وصيانة السلامة العامة دور فى تنظيم التفاعل بشأن مواد إعلامية أو إفادات يمكن أن تقوض خطط تأمين السلامة العامة وصون الحالة الصحية للمواطنين، وهو دور يمكن أن يشمل وضع قيود على الإفادات غير العلمية وغير المبرهنة وغير الصادرة عن مصادر ذات صلة واختصاص فيما يخص الشأن الصحى، خصوصًا فى أوقات الأزمات الصحية والجوائح.

وفى المقابل، فإنه لا يجب أبدًا منع أى جهة أو شخص يتمتع بالاختصاص، ويستخدم البراهين الموثقة على طرحه من أن يشكك فى اللقاح طالما أنه لا يفبرك أو يستخدم معلومات غير مثبتة أو ينقل عن مصادر غير مختصة وغير ذات صلة.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.