.
.
.
.

في انتظار... بايدن

فارس خشان

نشر في: آخر تحديث:

تتصرّف إيران وكأنّ دخول جو بايدن الى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني(يناير) الحالي، ليس سوى خروج للولايات المتحدة الأميركية من الشرق الأوسط.

منذ ثبوت خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية، حرصت طهران على تعقيد كل الملفات، فأفشلت المبادرة الفرنسية في لبنان المنهار، وجمّدت مفاوضات ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، وعقّدت تطلعات الحكومة في العراق المأزوم، وعرقلت الحلول في اليمن الموجوع، وصلّبت بشار الأسد في سوريا التائهة، وقررت أن ترفع نسبة تخصيب اليورانيوم الى عشرين بالمائة في بلادها الجائعة.

وبعدما اطمأنت إلى أنّ آخر أيّام دونالد ترامب في البيت الأبيض لن تحمل ضربة موجعة لها، راحت توحي، مستفيدة من التحلّل الذي يصيب إدارته، بتوجيه هكذا ضربة الى الولايات المتحدة الأميركية.

وبغض النظر عن النتائج الميدانية لهذا التصعيد الإيراني الذي يحصره العارفون في الإطار "التكتيكي"، فإنّ الرسالة التي يحملها الى فريق بايدن سيئة للغاية، لأنّها تصوّر الرئيس الديموقراطي الجديد بأنّه ضعيف ومستسلم، يساعد العدو ويهمل الحليف، ليكون بذلك نقيضاً للرئيس الجمهوري الخارج الذي بدا، خلال ولايته، قوياً ومصرّاً، وأضرّ بالعدو وساند الحليف.

لا يستطيع أيّ كان أن يؤيّد هذا المنطق الإيراني أو أن يعارضه، باستثناء جو بايدن نفسه الذي إذا خرق صمته حيال هذه المسألة يلجأ الى التعابير التي تحمل أكثر من معنى وأكثر من توجّه.

ولأنّ طهران تستقوي بإبهام بايدن، من جهة وبذكريات توجهات إدارة باراك أوباما، من جهة أخرى، فإنّ القوى الحليفة للولايات المتحدة الأميركية تسعى الى تحصين نفسها ومصالحها، بما تجده مناسباً.

وهدف هذا التحصين، أنّه في حال كان بايدن كما تشتهيه إيران، فإن الحقائق الجديدة يجب أن تكون كما لا تشتهيه لا إيران ولا بايدن.

وهذا بالتحديد ما تسعى إليه إسرائيل وحلفاؤها العرب الجدد، ويعمل من أجله اللسان التركي "التهدوي"، ويتطلع إليه الإتحاد الأوروبي في توصّله الى اتفاق-إطار مع الصين.
وبما أنّ إدارة بايدن لن تستطيع أن تخطو أيّ خطوة حقيقية لا في اتجاه أوروبا ولا في اتجاه تركيا ولا في اتجاه تعقيدات الملف الإيراني، أقلّه قبل ستة أشهر من عشرين كانون الثاني (يناير) الجاري، فهذا يعني أنّ الأرضية التي يجهّزها أعداء إيران أو منافسوها في الشرق الأوسط، ستعقّد مهمة بايدن وستطيح بأحلام إيران.

وبات جميع اللاعبين في الشرق الأوسط يدركون أنّ بينهم وبين بايدن، في النظرة الى إيران، فرقاً بسيطاً، في الظاهر، ولكنّه عميق في المضمون.

بايدن، وبحسب ما سبق أن أعلنه قبل أن يكتشف الحقائق الجديدة في المنطقة، يريد التعاطي مع الملف الإيراني على مستويين: المستوى الأول، هو العودة الى الاتفاق النووي، بعد إعادة التفاوض حول المهل التي تتضمّنه، أمّا المستوى الثاني، فهو التفاوض مع إيران بالإشتراك مع الدول المعنية في برنامج الصواريخ الإيرانية الإستراتيجية والأدوار الإيرانية في دعم التنظيمات الإرهابية في المنطقة، أي مصير الميليشيات التابعة لإيران في كل من اليمن ولبنان والعراق وسوريا.

حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط-ومن ضمنهم الاتحاد الأوروبي-يتطلعون الى صفقة شاملة مع إيران، وعلى مستوى واحد، بحيث لا يتم فصل الملف النووي عن الملفات الأخرى التي أصبحت خطرة للغاية على السلم الدولي.

إنّ طهران، بتصعيدها الحالي، تحاول تجميع أوراق قوتها في الداخل كما في العواصم التي تسيطر عليها عبر ميليشياتها، من أجل أن تفرض على بايدن "المسالم" برنامج التفاوض على مرحلتين، إيماناً منها بأنّ التسهيلات التي ستحصل عليها من المرحلة الأولى، أي عودة واشنطن الى الاتفاق النووي، ستقوّي أوراقها في التفاوض على المرحلة الثانية.

ولكن أعداء إيران وخصومها، لا يقفون مكتوفي الأيادي، في هذه المواجهة، بل يردّون على استعداداتها العسكرية باستعدادات عسكرية أقوى، وهم، في الوقت الذي تتمترس فيه على حدود إسرائيل منذ سنوات طويلة، أصبحوا أقوى على حدود إيران بالذات، فإسرائيل لم تكن يوماً على تماس مع إيران كما هي عليه اليوم، في ضوء نتائج اتفاقيات إبراهيم. أكثر من ذلك، إنّ إسرائيل لم تكن يوماً تملك جهوزية مخابراتية، ضد إيران وميليشياتها، كالتي تمتلكها حالياً.

إنّ المرحلة التي تفصل الشرق الأوسط عن دخول جو بايدن الى البيت الأبيض دقيقة للغاية للدول الهشّة كما هي عليه حال لبنان، ولكنّها، بالنسبة للدول والتجمعات الإقليمية القوية، ليست سوى أضغاث أحلام إيرانية.

ويمكن أخذ لبنان مثالاً على هذا التصلّب الإيراني، فـ"حزب الله" من خلال تحكّمه برئاسة الجمهورية يمنع تشكيل حكومة جديدة، مراهناً على أنّ تصلّب الرئيس المكلّف سعد الحريري، بعد خروج دونالد ترامب وسياساته العقابية، سيتلاشى، وتالياً، بمباركة فرنسا التي سترتاح بدورها من التشدد الأميركي، سيذهب في اتجاه حكومة تجمع السياسيين والتكنوقراط.

وما يصح في لبنان يصحّ أيضاً في العراق، حيث ستضعف وطأة رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي المدعوم من واشنطن وحلفائها، لمصلحة الميليشيات الإيرانية التي تعزّز حضورها ورعبها.

ولكن، بالنسبة لأعداء إيران وخصومها، فإنّ هذه المراهنات الإيرانية لا قيمة لها، لأنّ التوجهات المقاومة للهيمنة الإيرانية، في لبنان والعراق وغيرهما ليست نابعة من إرادة خارجية بل هي وليدة توجهات داخلية بضغط من شعب أرهقه استعماله وقوداً في أتون الطموحات الإيرانية.

وعليه، فإنّ انتظار بايدن، بالنسبة لإيران، في ضوء المعطيات والحقائق الجديدة، مثله مثل انتظار غودو في مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة