.
.
.
.

التفكير فيما يجب التفكير فيه!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

العمل الأساسى للكاتب هو التفكير وتحويل ما جرى التفكير فيه إلى فكرة، وهذه فى النهاية تكون أمرا مكتوبا لجمهور من القراء من أجل زيادة المعرفة. وبالطبع فإن الكتاب أنواع، بعضهم يعتبر نفسه داعية لأفكار يعتقد أنها سوف تغير الكون، والبعض الآخر شراح تكون وظيفتهم تقريب الأمور العامة إلى المواطنين اعتمادا على قدرات تحليلية وتفسيرية، والبعض الثالث يترك القيادة والتفسير جانبا ويكتفى بالتأكيد على ثوابت المجتمع التى لا يغيرها زمن. وفى كل أحوال الكتابة فإن معضلة الكاتب الكبرى هى من أين يبدأ، هى تلك السطور الأولية التى تنفك بعد ذلك إلى فقرات وصفحات وربما فصول وأبواب وكتب. نقطة النهاية هى الأخرى معضلة، وهل تكون هى «الآن» أم أن هذه فى الواقع نقطة انطلاق إلى مستقبل فيه استشراف ونبوءة.

وحينما شرفت مؤخرا بعضوية مجلس الشيوخ بلغ بى السرور مبلغه حينما وجدت فى الباب السابع من الدستور المصرى، وفى المادة ٢٤٨ منه: «يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلا بتوسيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطى، وتوسيع مجالاته». التفكير هنا لم يعد مهنة للكتابة أيا كان نوعها وإنما بات مهمة وطنية محددة المعالم، هى مسؤولية لا ينبغى لها أن تبقى معلقة بين السماء والأرض؛ وحينما طرحت لائحة المجلس للمناقشة والتصويت تمنيت أن تكون هناك لجنة خاصة بهذه المادة، ولكن القرار كان أنها لجنة كل المجلس لكى يتحمل أعباءها الكبيرة. ما يهم الكاتب هنا هو دعوة التفكير ذاتها، وما تطلبه من تحديد نقطتى البداية والنهاية حتى لا تنفرط القضايا والموضوعات.

.. وفى الظن أن هناك بدايتين للنقاش، الأولى تبدأ مع الوالى محمد على ومحاولته العظمى لتحديث مصر فى ١٨٠٥ والسؤال الأساسى فيها هو لماذا أخفقت مصر فى تحقيق الحداثة وإقامة الدولة الديمقراطية المدنية عبر العصور الخديوية والملكية والجمهورية، وباختصار كيف نستكمل المسيرة إلى منتهاها الذى فرضته المادة الدستورية. والثانية قريبة قبل عشر سنوات مضت، حينما وصلت المسيرة الأولى إلى طريق مسدود انتهى إلى ثورتين كانت بدايتها فى ٢٥ يناير ٢٠١١ ولحقت بها الثانية فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وكلتاهما شكلت طريقنا المعاصر. وخلال السنوات الماضية كان اجتهاد الكاتب منصبا على محاولة الإجابة عن السؤالين من منطلق البداية الأولى: لماذا أخفقنا؟ وكيف تصبح مصر جزءا من عالمها المعاصر دولة حديثة ومدنية؟. وربما آن الأوان لكى تكون نقطة البداية فى متناول اليد أكثر، وهى تلك التى حدثت قبل عشر سنوات خاصة أنه خلال الأسابيع الماضية انهمر الكثير من الكتابات الغربية حول ما بات معروفا بالربيع العربى، وما حدث فيه من إخفاق. وربما لم تكن هناك صدفة أن الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما نشر مذكراته التى كان بين فصولها كيف نظر إلى الأحداث التى جرت فى منطقتنا كلها فى مطلع العقد المنتهى زمنه قبل أيام.

بالنسبة للكاتب جاء التفكير الأول عن ثورة يناير فى كتيب صدر لى عن الثورة بعنوان «الدولة والثورة فى مصر: إشكالية التغيير والسياسة» الذى نشرته جامعة «برانديز» الأمريكية فى الذكرى الأولى للثورة المصرية. المقدمة صدرتها بأول فقرتين جاءتا فى رواية «تشارلز ديكنز» «حكاية مدينتين: قصة الثورة الفرنسية» (لندن ١٨٥٩)، وجاء فيهما: «لقد كانت أفضل الأوقات؛ كما كانت أسوأ الأوقات. وكانت عصر الحكمة؛ كما كانت عصر الحماقة. وكانت حقبة الاعتقاد؛ كما كانت حقبة العبث. وكانت فصل الضوء؛ كما كانت فصل الظلام. كانت ربيع الأمل؛ كما كانت شتاء اليأس». «لقد كان لدينا كل شىء قبلنا؛ بقدر ما لم يكن هناك شىء قبلنا. كنا جميعا ذاهبين مباشرة إلى الجنة؛ كما كنا جميعا ذاهبين إلى الاتجاه المعاكس (الجحيم). وباختصار كانت الفترة إلى حد كبير مثل الفترة الحالية...».

كان تشارلز ديكنز كمن يصف كل الثورات، ومن يراجع ما كُتب عن الثورة المصرية بعد ذلك سوف يكتشف أن أشهر العبارات عنها كانت أنها أخرجت أفضل وأسوأ ما فينا؛ وبعد أعوام سوف تجد جماعة تتيه بالثورة عجبا وفرحة، وجماعة أخرى ليست قليلة تعض بنان الندم، وحتى تعتذر أحيانا عما جرى وكان، وجماعة ثالثة ترى فى كل ما جرى مؤامرة أحكمت حلقاتها على عقل شباب الأمة. كان الكتيب بحثا فى الأسباب التى أدت إلى ما جرى، وهذه قسمتها إلى ثلاثة أقسام: هيكلية وهذه ذات سمات عميقة فى هيكل الدولة المصرية: ارتفاع نسبة الشباب فى التركيبة الديمغرافية المصرية، والتوسع فى حجم الطبقة الوسطى المصرية، وتصاعد دور الإخوان المسلمين، وثورة المعلومات، وفشل النظام السياسى فى التعامل مع كل ما سبق. وأسباب ظرفية قامت بدور المعجلات للتغيير وهى: نتيجة الانتخابات البرلمانية فى ٢٠١٠، والتصاعد فى الاحتجاجات، وعودة د. محمد البرادعى، والثورة التونسية، والأزمة الاقتصادية العالمية. والأسباب الخاصة بسوء إدارة الأزمة بعد نشوبها: خطأ تعريف الأزمة، وتعددية مراكز صنع القرار، والتأخر فى اتخاذ القرارات.

ما حدث فى الواقع عند تفاعل كل هذه الأسباب جعل الثورة تظهر على العالم وعلى المصريين بوجه شاب متفاعل مع عصره متطلعا للتغيير على الطريقة التى جرت فى شرق أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وانتهاء الحرب الباردة. ولكن هذا البزوغ لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام لم يكن فيه للجماعات المختلفة التى قدرها الأستاذ جمال غيطاس بعدد ٢١٦ قيادة تذكر مهما قيل عن «ائتلاف شباب الثورة»، والأخطر كان أنه لم يكن هناك لا كتاب ولا برنامج للتغيير يوضح الجهة والمقصد. اعتبارا من اليوم الرابع الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠١١ سقطت الثورة كلها بين يدى جماعة الإخوان المسلمين المنظمة داخليا وخارجيا والمسلحة وكثيفة التمويل وذات الارتباطات العالمية. قراءة تفاصيل ما جرى فى مذكرات أوباما الأخيرة إما أنها تعكس حالة من التضليل الكثيف، أو أنها تشير إلى خلل جسيم فى القدرات الأمريكية. فلا كان فيها ذكر لدور المجموعة ٩٥ الإخوانية للتنظيم فى الاعتصامات وأمن المقيمين فى التحرير، ولا لإطلاق جماعات إرهابية من السجون تنتمى إلى الإخوان وحزب الله وحماس، وما جرى بعد ذلك من مواجهات حادة مع الشرطة، والحرائق التى اندلعت فى أقسام الشرطة والكنائس والمولات التجارية.

تفاصيل ما جرى بعد ذلك من هروب الشباب إلى مواجهة الدولة على حساب المشاركة فى العملية الانتخابية، حتى احتكار الإخوان للسلطة السياسية ثم الثورة الشعبية عليها؛ وهذه المرة وتحت قيادة القوات المسلحة كان هناك برنامج واسع وطموح لتحديث الدولة والانطلاق بها فى برنامج مفصل للتغيير الاقتصادى والاجتماعى والتوافق السياسى الذى يشكل جبهة وطنية واسعة مؤيدة وقادرة. سردية ما جرى فعليا للأسف ليست بنفس شيوع سردية أخرى فى الخارج إخوانية فى جوهرها، وليبرالية فى مظهرها؛ ولعل ذلك وسط كل ما ينجز يكون تصحيح السردية قلب المرحلة المقبلة من التغيير فى مصر.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة