.
.
.
.

«الصبيان الفخورون».. يحطون رحالهم في واشنطن

محمد سالم المزعل

نشر في: آخر تحديث:

«أنا غربي فخور وشوفيني، وأرفض الاعتذار عن تشكيل العالم الجديد». هذا ليس هذياناً تقيأه شخص عنصري في الغرب على منصة ما للتواصل الاجتماعي، بل هذا في الواقع القسم الرسمي الذي يجب أن يؤديه العضو الجديد للانضمام إلى جماعة «براود بويز» (الصبيان الفخورون) في الولايات المتحدة. وهي مجموعة متشددة من العنصريين البيض برزت في الأخبار في عام 2020. وفي هذه الأيام، يستعدون بكامل عدتهم، بما في ذلك أسلحة خفيفة، وعديدهم ليحطوا رحالهم في واشنطن يوم الأربعاء، لينضموا إلى مجموعات أخرى مماثلة في ما يمكن أن يكون المواجهة الأخيرة للحركة اليمينية المتشددة في الولايات المتحدة في محاولة لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية – عبر الضغط على الكونغرس، الذي سيجتمع بغرفتيه بعد غد، ليرفض فوز جو بايدن ويصوت لمصلحة الرئيس دونالد ترامب. كما يتضح من خلال ذلك القسم الذي لا يحتمل التأويل، فإن هذه المنظمة، التي أسسها الناشط اليميني الكندي - البريطاني غافن ماكينيس في عام 2016، هي في الأساس مجموعة من معتنقي عقيدة التفوق العنصري، وتتمحور مبادئهم حول الكثير من «الضد»، فهم ضد الهجرة، وضد السود، وضد تقنين تملك السلاح، وضد الحركة النسائية، وضد المساواة بين الجنسين، وضد الليبراليين. باختصار، تبدو مبادئهم وكأنها ملخص لبرنامج ترامب الانتخابي! المفارقة هنا أن اسم المجموعة، Proud Boys، اقتبس من كلمات أغنية من النسخة المسرحية لفيلم ديزني علاء الدين - ومسرحية يفترض أنها تروج لمبادئ التسامح والتنوع! وغالباً ما يرتدي أعضاء المجموعة فانيلات سوداء وصفراء وقبعات حمراء تحمل شعار ترامب الشهير: «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». كما لديهم تاريخ حافل، رغم حداثة تأسيس المنظمة، من العنف ضد الأقليات، لا سيما خلال احتجاجات الصيف الماضي ضد العنصرية التي اندلعت إثر مقتل مواطن أسود، جورج فلويد، على يد شرطي أبيض في مينيسوتا، ما جعل مكتب التحقيقات الفدرالي يصنفهم كجماعة متطرفة. صعود هذه المنظمة، التي تذكر تقارير أنها تتحالف مع المنظمة العنصرية الأخطر في تاريخ أميركا، مثل كللوكس كلان، ما هو إلا مثال عملي وقبيح على التوجه الخطير عند كثير من الأميركيين إلى أقصى اليمين في السنوات القليلة الماضية، وبالتحديد منذ وصول ترامب إلى السلطة قبل أربع سنوات. وهو تطور لا يستهان بخطورته، خاصة أن بعض تجلياته حظيت بتشجيع من أعلى الهرم السياسي في البلاد لتوافق الكثير من الطروحات بينهما. فازدراء ترامب الواضح للمهاجرين (مشروعه لبناء الجدار، وسياسة الترحيل الفوري، وحظر دخول المسافرين المسلمين إلى الولايات المتحدة) لاقى صدى واسعاً لدى الكثيرين من البيض، الذين ربما لم تكن الظروف السياسية قبل ترامب تشجعهم على الجهر بعنصريتهم. الصبيان الفخورون سيكونون ربما المشارك الأبرز في الاحتجاجات المتوقعة المؤيدة لترامب في السادس من يناير، التي دعا إليها الرئيس قبل بضعة أيام لدعم موقفه الرافض لنتائج الانتخابات الرئاسية، متهماً الديموقراطيين بتزوير النتائج. ففي ذلك اليوم، سيترأس نائب الرئيس مايك بنس جلسة مشتركة للكونغرس (مجلسا النواب والشيوخ)، للتصديق على أصوات الهيئة الانتخابية التي قدمتها كل ولاية، والتي تمثل نتائج التصويت الشعبي في انتخابات الثالث من نوفمبر. مثل هذه العملية كانت على الدوام إجراء روتينياً لا يلفت الانتباه. فهو مجرد تصديق على نتائج تم اعتمادها مسبقاً من قبل حكومات الولايات الخمسين. ولكن مع استمرار ترامب في الطعن بتلك النتائج، بات هذا الإجراء البيروقراطي عادة حدثاً مهماً اليوم. الأجواء مشحونة في واشنطن وتزداد توتراً مع استعداد كثير من الجماعات العنصرية للمشاركة في الاحتجاحات، إلى درجة أن أحد أقدم الفنادق في المدينة وأكثرها شعبية، هارينغتون الذي افتتح في عام 1904، اضطر إلى الإعلان أنه سيغلق أبوابه لمدة ثلاثة أيام - قبل وأثناء وبعد جلسة الكونغرس. ووفقاً لصحيفة واشنطن بوست، فإن منظمة «الصبيان الفخورون» جعلت من الفندق مقراً غير رسمي لها عندما جاء أعضاؤها إلى العاصمة للمشاركة في الاحتجاجات العنيفة الداعمة لترامب قبل ثلاثة أسابيع، وتخللتها حوادث طعن وجرح العشرات. كمشهد من مسرح العبث، وإن لم يكن بمستغرب رغم ذلك، يرحب البعض في الحزب الجمهوري، وربما ترامب نفسه والمقربون منه، بدعم جماعات نتنة مثل هؤلاء الصبيان وغيرهم من الجماعات العنصرية كمنظمة «نساء من أجل أميركا أولاً»، وجماعة «أوقفوا سرقة الانتخابات» المؤسسة حديثاً، وهي تحالف عنصري أيضاً، وذلك في محاولة مثيرة للشفقة من قبل الرئيس ومناصريه لإلغاء نتائج الانتخابات، لا سيما أن جميع المحاكم الفدرالية ومحاكم الولايات تقريباً رفضت كل الطعون القانونية التي قدمها فريق ترامب القانوني. انفصال الرئيس والدائرة المقربة منه عن الواقع ربما توهمه بأن مثل هذه الأفعال يمكن أن تشكل ضغطاً على الكونغرس لإلغاء أو حتى التشكيك في النتائج. ومع ذلك، فإن هذا المشهد السياسي السخيف يبرهن على ما كان يحذر منه الكثيرون منذ ليلة انتخابات عام 2016، ليلة فوز ترامب بالرئاسة - فأميركا باتت منقسمة أكثر من أي وقت مضى على أسس عرقية وطبقية. وما كان لهؤلاء الصبيان الشوفينيين، كما يصفون أنفسهم، وغيرهم من الجماعات العنصرية، في الولايات المتحدة وكثير من الدول اليوم، قريبها وبعيدها، أن يجرؤوا على الخروج من جحورهم لو شعروا للحظة بأن البيئة السياسية والاجتماعية، بما في ذلك المؤسسة الرسمية، لن تتسامح معهم. علمنا التاريخ أن العنصرية، ذلك الداء المجتمعي الذي ينخر أولاً وقبل كل شيء في أسس الدول الحاضنة له، لا يمكن لها أن تظهر أو تنتشر بلا راع من وراء حجاب. في العشرين من يناير، سيتم تنصيب بايدن. وستتولى الإدارة الجديدة مهامها. ومع ذلك، وعلى رغم من نجاحات ترامب النسبية في الاقتصاد وبعض السياسة الخارجية، فمن المرجح أن يبقى الكثير من الفوضى الداخلية التي أسس لها هو عبئاً كبيراً على الولايات المتحدة لسنوات قادمة وتنتظر من ينظفها. وسيستغرق الأمر سنوات أكثر ربما لردم الهوة بين الأعراق. ولن يتسنى ذلك بالتأكيد إلا بالبدء بحظر الجماعات العنصرية مثل «صبيان فخورون» وغيرهم.

نقلا عن "القدس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة