رحل أعظم درس في عام 2020

مبارك الذروة
مبارك الذروة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

رحل عام المفاجآت المتراكمة والسريعة، والتي تصعب ملاحقتها أو حتى متابعتها من دون لمس أوجاعها وآلامها ثم توديعها بسلام. عام من التغير المفاجئ في الإدارة والصناعة والتجارة والسلوك الإنساني عامة وفي السياحة والمال... في الفرد والأسرة والمجتمع... كل ما فينا ومن حولنا تم تصفيره.

حتى عقارب الساعة عادت إلى الوراء... إلى عصر ما قبل الصناعة... وإلى عصر الاكتشافات من جديد.
السماء خلت من الطيران، وتخلّت مطارات العالم من ركاب الفضاء... والصحراء ابتهجت وتزيّنت بعد غياب السيارات والمخيمات ومطاردة الكائنات... وتطهّرت المحيطات والبحار بمنع السفن والمراكب وبواخر النفط والنقل... تعافت السماء من الأبخرة والدخان فأمطرت، وتنفّست الصحراء فاكتست بعد عري وحنين... وتطهّرت البحار ومعابر الأنهار واغتسلت بمائها بعد اغتيال البشر وجشعه اللعين.

مرّ عام تغيرت فيه مفاهيم وتطورت اساليب، تحيّر العالم... ففكّر وقدّر... وبدأ كشف الحساب!

أدركنا فيه قيمة المعلم العظيمة وجهازه الرقمي وبرامجه التعليمية، بعد أن فقدنا وقوفه أمام بوابات المدارس كل صباح ليستقبل مشاغبات أبنائنا وعثراتهم طول النهار في الصفوف، وكيف كان قبل ذلك صبوراً علينا إلى أن يعودوا بعد يوم من العناء والجهد والعطاء.

سامحنا، ايها المعلم، كم اخطأنا في حقك... وما قدرناك حق قدرك.

مرّ عام عرفنا قيمة الطبيب والممرض والجهاز الصحي بأكمله وأهميته في حياتنا، والمخاطر التي تحيط به في عمله...

فسامحنا أيها الطبيب كم قلّلنا من وجودك وما قدّرناك حق قدرك.

عدنا إلى الداخل... وتعرّفنا من جديد على أسرنا وأهلينا... قراءة مختلفة... وفهم جديد لعالم الأسرة في ظل الجائحة، أُعيدت معه كل الحسابات، وصيغت آداب التحية والطعام والأفراح والتعازي بشكل جديد... مكثنا معهم أكثر من أي وقت مضى، استمعنا إليهم وتحاورنا معهم... أدركنا مع بيوتاتنا وطلابنا كم هي الحاجة ماسة لمتابعة دروسهم وواجباتهم... وعيهم وإرشادهم، همومهم ومخاوفهم.

عام 2020 كان مدرسة بحق عن ألف جامعة... وما كان ليتم ذلك لولا المربي المجهول (كورونا)!

لقد نشطت الأبحاث العلمية في هذا العام تحديداً أكثر من أي وقت مضى... في جميع زوايا المعرفة... واكتسبت حقول العلم في الطب والتعليم والبرمجيات والتجارة الإلكترونية والصناعة والأمن الغذائي العديد من الإنجازات والنجاحات العظيمة والتقدم السريع... وفي الفقه الإسلامي والقانوني، ظهرت اجتهادات فقهية وأصولية أثرت المكتبة العربية والإسلامية في المساجد والحج ورمضان... وفي الانتخابات واجتماعات الناس، ولقاء المرشحين لناخبيهم وغير ذلك كثير.

ومن ناحية أخرى، فقد مكثنا في منازلنا مكرهين أحياناً وطائعين في بعض الأحايين... فعرفنا معاني الخلوة والاعتكاف ومراجعة النفس وتقييم الذات والسلوك، وإعادة النظر في كثير من سلوكيات الدعة والاسترخاء قبل «كورونا»... لكننا في كل الأحوال تعلمنا الدرس... ظهرت معالم جديدة لشباب متعلم نشط وقف بعلمه وجهده ووقته لمواجهة «كورونا»! وتمخض ذلك كله عن دروس عديدة وعبر لم تنقطع آثارها حتى كتابة هذه السطور.

كم نحتاج من الوقت لنتعلم أن الأقدار كلها بيد الله واقعاً نشهده كل يوم... كم نحتاج لنتعلم أصول الوقاية من تعقيم ولبس قفاز وكمام وتباعد وفحص طبي، كم نحتاج لنتدرب على الادخار والتوفير في السفر والسياحة والضيافة والاستقلال... كم نحتاج من أعمار لندرك حقيقة الحرية والانطلاق، حين نحبس في محجر أو معزل لا إرادة لك فيه... كم نحتاج من دروس لنفهم أهمية العلائق الإنسانية وصلة الأرحام وقيم الجيرة والتزاور بين القرابة وبني البشر؟!

سقطت في أزمة كورونا كل دخائل العنصرية والطائفية والعرقية النتنة... لتعلو راية الخدمة الإنسانية والتسامح الإنساني وصيانة الكوكب من الدمار... شاهدنا كثيراً من الكائنات تخرج من مخابئها وجحورها وكهوفها، بعد أن غاب البشر من مسرح الحياة... فاطمأنت ألّا قتل ولا دمار ولا اغتيال للأرض والدواب.

وحتى لا ننسى بعد رحيل 2020 نتذكر أولئك الأبطال الشهداء، الذين رحلوا عنا جرّاء الإصابة بالفيروس القاتل، فلهم منا خالص الدعاء بالرحمة والأجر والثواب... ولكل من تجشم التعب والجهد والعناء لمساعدتنا وحمايتنا منه الشكر وجزيل الثناء.

أهلاً بالعام الجديد ونسأل الله عز وجل أن يكون عام خير ورحمة وعطاء... حفظ الله الكويت والإنسانية جمعاء من كل مكروه.
نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط