شتّامون.. ومفرطون فى المديح

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

«الجزارة الشعبية الديمقراطية لصاحبها معمر ملوخية».. كان هذا هو النص المصاحب لكاريكاتير شهير رسمته ريشة الرسام البارع الراحل مصطفى حسين تجسيدًا لفكرة الكاتب الساخر البديع الراحل أيضًا أحمد رجب، وقت أن كانت العلاقات المصرية- الليبية فى أوج توترها.

مقالات متعلقة

المشككون فى اللقاح

البحث عن حنين حسام

17 ديسمبر

حينما بدأت أهتم بقراءة الصحف، كان كاريكاتير مصطفى حسين من أبرز علامات صحيفة الأخبار، وفى هذا التوقيت بالذات، كانت العلاقات بين نظام الرئيس السادات وبين العقيد القذافى فى غاية السوء، بشكل استدعى شن حملات إعلامية متبادلة بين الجانبين. وقد انخرط الرسام البديع مصطفى حسين، ومعه شريكه التاريخى المبدع أحمد رجب، فى تلك المعركة الحامية بالفكر والريشة، ما أثمر الكاريكاتير الشهير، الذى كان يعرض صورة القذافى كأنه شخص مختل يقضى حاجته ويعذب معارضيه برائحة فضلاته!

كان ذلك تصويرًا جارحًا ومهينًا بكل تأكيد، ورغم ذلك فربما يمكن قبوله وتفهمه، بل الثناء عليه، فى كثير من الأنظمة الإعلامية الحرة والمتقدمة، طالما أنه يرتكز على ذرائع موضوعية، ويصدر عن ممارسة مستقلة، لكن يبدو أن ذلك لم يكن متوافرًا حين صدر هذا الكاريكاتير وازدهر.

فى مقابلة نشرتها «الأهرام» مع الفنان الراحل مصطفى حسين، فى شهر سبتمبر 2017، جرى هذا الحوار:

«الأهرام: هل أنت من العهد البائد؟

مصطفى حسين: أنا ابن كل العهود.

الأهرام: ألم تخدم النظام؟

مصطفى حسين: خدمت نظام السادات وقت الهجوم على القذافى، وعملت مع أحمد رجب (القصرية)، وكانت البداية. هذه مساندة للنظام. لا جدال فى ذلك». ربما ما فعله المبدعان مصطفى حسين وأحمد رجب، فى خدمة المعركة التى شنها نظام الرئيس السادات ضد القذافى، كان مماثلًا لبعض المعالجات الإعلامية، التى تستهدف سياسيين ودولًا ومجتمعات تشخصها حكومتنا راهنًا فى صورة العدو، أو على الأقل لا تعتبرها فى موضع التحالف والصداقة.

من حق الدولة، والحكومة، والأحزاب، والمؤسسات أن تشكل عقيدة حيال الأطراف السياسية الإقليمية والدولية، وأن تتخذ مواقف متباينة إزاءها، بحسب تصوراتها وتقديراتها للمصلحة الوطنية أو حسابات الجدوى.

ومن واجب الإعلام أن يعكس تلك المواقف بدقة وأمانة، وفى باب الرأى بالتحديد، سيمكن التعبير بحرية وانفتاح عن كافة المشاعر والتوجهات والانطباعات حيال الكيانات السياسية المعادية أو غير المواتية، طالما أن ذلك يتم فى إطار القانون والمعايير الإعلامية المرعية واللياقة المناسبة. لكن الإشكال يظهر حينما تتحول الآلة الإعلامية إلى ما يوافق التقدير السياسى المرحلى والنسبى للحكومة، وتفرط فى خدمة الخط السياسى الطارئ، بل تزايد عليه، باستخدام أدوات حادة وغير لائقة أحياناً. بسبب طبيعة السياسة الإقليمية والدولية، فإنه «لا عداءات دائمة، ولا صداقات دائمة»، وقد حدث ذلك مع السعودية فى عهد ناصر، ومع إسرائيل فى عهد السادات، ومع العراق فى عهد مبارك، والآن ربما يحدث ذلك مع قطر وتركيا. نحن الآن معادون لتركيا، ومرتابون فى السودان، ومصدومون من إثيوبيا، ومتحالفون مع اليونان، وأصدقاء لإيطاليا، وداعمون للمشير حفتر، لكن كل ذلك يمكن أن يتغير غدًا، بل بعضه قد ينقلب إلى النقيض.

وربما يضطر بعض الزملاء إلى تبديل المواقف لاحقًا، وهو أمر يقوض صورتنا الذهنية، ويزعزع ثقة الناس فى إعلامنا ومفكرينا. والأفضل فى كل الأوقات أن نحافظ على لغة متزنة ومسؤولة فى مقاربة الشأن السياسى، وألا نتورط فى هجوم حاد وجارح اليوم مع طرف قد نوطد الصداقة معه غدًا، وأن نعزز استقلالية أدائنا الصحفى بالمقاربة الموضوعية والبعد عن الابتذال. بوسع أصغر مستخدم لـ«السوشيال ميديا» الآن أن يجد فيديو قديمًا لأحد المذيعين وهو يسب ويندد بزعيم أو دولة ما، وبوسعه أيضًا أن يجده يفرط فى المديح لهما بعدما تتغير السياسات.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.