.
.
.
.

الخليج ما بعد العُلا!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

من الطبيعي أن يكون هناك معارضون لاتفاق العُلا، ذلك أمر طبيعي، فقد استفادت قوى وأفراد من الخلاف وأصبح لها مورد رزق. لكن على الرغم من طول مدة زمن الخلاف الذي أخذ ثلاث سنوات ونصف السنة من حياة أهل الخليج، وعلى الرغم من "التلاسن" الذي خاض فيه البعض ومحاولة شيطنة الآخر، إلا أن أواصر القربى والمصالح والحكمة في نهاية الأمر، قد تغلبت على كل تلك العقبات.

لقد خلق بعض الإعلام، مع الأسف، جواً من الكراهية، وكان ذلك إما عن قصر نظر أو تهوراً. في الواقع كانت هناك أصوات على الجوانب المختلفة "خليجياً"، إما امتنعت عن الخوض في الخلاف أو قالت حسناً ما ينم عن رغبة في الوفاق، ولهذه الأصوات كل الاحترام. وقد كان للكويت بشخص المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجهد المقدر في هذا الملف المعقد. ومن يعرف طبيعة المجتمع الخليجي يتيقن أن الكثرة الكثيرة هم الى الخير اقرب والى التسامح أميل، فهم في النهاية من نسيج اجتماعي وثقافي واحد، كما أن مصالحهم المرسلة واحدة ومستقبلهم الاستراتيجي مترابط .

لقد كانت مشاهدة اللقاء الحميم بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم آل ثاني قد بعث الآمال في قلوب أهل الخليج، فلم يكن تقليدياً بل كان أخوياً بكل ما تعنيه الصورة. حقيقة الأمر أن ما يربط دول الخليج أكثر بكثير مما يفرقها، كما أن الاختلاف في السياسيات يمكن أن يقع، فتلك طبيعة الدولة الحديثة، إلا أن القطيعة هي التي كانت مؤلمة للجميع وكانت خسارة بينه لكل الأطراف.

يقيني أن فئات كبيرة من المجتمع الخليجي تشعر بالراحة اليوم أكثر مما كانت تشعر بالتوجس قبل أسابيع، وقد دخل مع الأسف على خط الخلاف العديد من أهل المصالح وذلك طبيعي وبشري، ولتصفية كل تلك الذيول يحتاج الأمر الى فعل على الأرض وقبل ذلك يحتاج الى إرادة سياسية. وحتى لا تتكرر، لا بد من إحياء آلية هي في صلب المشروع الأول لمجلس التعاون ولكنها لم تُفعّل، أي ألية "فض المنازعات" وهي تقود الى مأسسة النظر في الاختلافات والقيام بوضع قواعد ثابتة للتصرف تجاه أي خلاف أكان صغيراً أو كبيراً. حتى اللحظة الأخيرة كان هناك من يراهن على عدم الوصول الى وفاق، ولكن الذي حدث أن القيادات قد اتخذت القرار الشجاع، ليس بالضرورة ما يرضي أي طرف رضاءً نهائياً، ولكن كطبيعة العمل السياسي انه توافقي والبحث عن الأرض المشتركة والحلول الوسطى وتوسيع المشتركات.

دول ومجتمعات مجلس التعاون فيها الكثير مما يحمد، وطبعاً فيها الكثير مما يرتجي كمثل بناء المؤسسات السياسية الحديثة والتعاون التنموي، أما ما يُحمد هو أنها المنطقة المستقرة في محيط ليس غير مستقر ولكنه مضطرب تحيط بدوله ومجتمعاته الأزمات الكبرى. فالعراق مع الأسف على باب صراع مستمر وبعضه دموي، وسوريا في حرب أهلية وجارها لبنان تذوب فيه الدولة لتنتعش الميليشيات التابعة لقوى خارجية، وكذلك يكاد يكون اليمن مع تدهور كامل في الأمن والعيش معاً، الجار الجنوبي للخليج، والجار الشرقي لإيران تسيطر عليه مجموعة سياسية لا تقيم وزناً لمطالب الناس الذين يزدادون فقراً ويعانون قمعاً. وعلى البعد نجد الجمهورية التركية التي تشتبك على الأقل مع عشرة ملفات في الجوار بعضها ساخن كما في ليبيا وأذربيجان وبعضها الآخر قريب الى السخونة كما في شرق المتوسط، وتمر داخلياً أيضاً بصعوبات اقتصادية وتضيق على الحريات ما قد يؤدي الى صراع داخلي طويل.

في المشهد الكبير نجد أن القوة الكبيرة في العالم تبدأ برحلة العودة الى الحجم الطبيعي، وما شاهده العالم من اقتحام بشري لقلعة الديموقراطية في واشنطن (مبنى الكونغرس) ليس إلا بداية لرحلة العودة الى الحجم الحقيقي للدولة الكبرى بعد هيمنة لم تدم طويلاً، وعلى ملف آخر في أوروبا نشهد تفسخاً في الاتحاد الأوروبي وضعفاً في الاقتصاد وتراجع حجم التعاون الدولي وصعود "الشعبوية" والتي قد تقود الى تفسخ أكبر. في تلك الأجواء نشاهد ما يفعله فيروس كوفيد-19 من اضطراب في الاقتصاد والعلاقات الدولية والتجارة البينية، وقد يكون له نتائج بالغة العمق في القادم من السنين.

العقل والمنطق وحتى المصالح تقودنا الى أهمية تعزيز الاستقرار والتعاون والسعي إلى التنمية في الخليج، وقبل ذلك حراسة كل تلك المنجزات ورعاية الطموحات التي تحققت وهي ضخمة في دول مجلس التعاون وتعضيدها بعمل تعاوني جاد يحقق المصالح المشتركة بجانب المصالح الذاتية. في دول ومجتمعات مجلس التعاون نرى تباشير نجاحات لا يمكن الاستهانة بها وهي على سبيل الانتقاء لا الحصر ومن دون الدخول في تفاصيل لا يتسع لها حيز المقال، منها مشروع اجتماعي اقتصادي هائل في المملكة العربية السعودية، ومشروع تنموي ضخم في دولة الإمارات على رأسه مشاريع الطاقة البديلة، وعزم على انتخابات عامة في الدوحة في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، ونجاح اقتصادي في البحرين، ومشروع عُماني للتشغيل الكامل للمواطنين وحيوية سياسية في الكويت. أما إن أردنا أن ننظر الى مثال واحد فقط في نجاح المشروع الخليجي، فلننظر الى الطريقة والأسلوب والتنظيم لتوزيع اللقاحات لهذه الجائحة، فقد يبهرك ما تراه على شاشات التلفزيون من تنظيم في مدن الخليج وثورة رقمنه لتلقي المواطنين والمقيمين اللقاح بسرعة وسلاسة وتنظيم لافت، ذلك يدل على ان هناك بنية تحتية قادرة على حمل ومواجهة الأزمات بنجاح، وذاك ما يرجوه المواطن الخليجي أن يتوسع، ما بعد اخبار العُلا الخيّرة .

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة