.
.
.
.

كيف غير واتساب سياساته خلال سبع سنوات ؟!

أحمد الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

لو أن هناك شيئا اتفق عليه أصدقاء مارك زوكربيرج وأعداؤه، فهو أن مؤسس فيسبوك يتمتع بموهبة فائقة في استشعار الخطر واحتوائه حتى لو ارتفعت التكلفة، وتجلت هذه الموهبة في قرار زوكربيرج شراء تطبيقي انستجرام وواتساب وتحويلهما إلى جزء من امبراطورية فيسبوك بدلا بعد أن كانا منافسين لها.

في 2014 بلغ عدد مستخدمي واتساب 450 مليون شخص، وأصبح وسيلة التواصل الاجتماعي الأولى في بعض الدول، وكان في طريقه لتهديد فيسبوك الذي كان يبلغ عدد أعضائه حينها 890 مليون مستخدم، فاستحوذت شركة فيسبوك على وتساب مقابل 19 مليار دولار، في واحدة من أكبر الصفقات التي عرفها سوق المنصات الرقمية.

وعلى مدار الأعوام التي تلت الاستحواذ، بدت شركة فيسبوك غير متعجلة لتحقيق أكبر مكسب مادي من واتساب، وساهم في ذلك أن فيسبوك تحقق أرباحا ضخمة في كل الحالات وصلت إلى ٦٠ مليار دولار في عام ٢٠١٩ كما أن وجود واتساب ضمن أصول المجموعة ساهم في ارتفاع قيمة سهم فيسبوك في البورصة.

واتضحت خطة فيسبوك للاستفادة من واتساب، وتبين أنها تكون من عنصرين: الأول هو جذب أكبر عدد من المستخدمين لواتساب والثاني هو دمج التطبيق بشكل تدريجي بطيء ضمن آلة تحقيق الأرباح التجارية لامبراطورية فيسبوك.

ومن أجل تحقيق العنصر الأول، عمل واتساب على ضمان ثقة المستخدمين، فأعلنت فيسبوك أن واتساب سيبقى مستقلا عن منصات المجموعة، وتم تشفير رسائله لضمان أكبر سرية وخصوصية، وتقول شركة واتساب إن التشفير يعني أن محتوى الرسائل والمحادثات يبقى سريا بين المستخدمين ولا تطلع عليه أي جهة حتى لو كانت واتساب أو فيسبوك. ومن أجل ضمان أكبر عدد من المستخدمين حولت المجموعة واتساب من تطبيق مدفوع الثمن إلى مجاني، ورفعت كفاءته، وزودته بإمكانيات إضافية مثل مكالمات الفيديو والمكالمات الجماعية، وحافظت عليه خاليا من الإعلانات.

وبالفعل تحقق الجزء الأول من خطة واتساب، وتصاعد عدد مستخدميه بشكل صاروخي، لدرجة أنه في عام ٢٠١٩ وحده جذب ٧٦٠ مليون مستخدم جديد، ليتجاوز إجمالي المستخدمين ملياري شخص بنهاية عام ٢٠٢٠.

وحسب إحصائيات موقع GlobalWebIndex للعام نفسه، فإن معدل استخدام واتساب بين مستخدمي الإنترنت في كل دولة يبلغ ٨١ بالمئة في السعودية و٧٥ بالمئة في مصر ويتجاوز ٩٠ بالمئة في عدة دول منها البرازيل وماليزيا والأرجنتين وجنوب افريقيا. ولم يعد واتساب مجرد تطبيق للتواصل الاجتماعي، بل تحول لدى البعض إلى وسيلة الاتصال الأولى، وفي بعض الأحيان يعد واتساب هو الاستخدام الوحيد للإنترنت عند البعض.

أما الجزء الثاني من الخطة وهو إدماج واتساب ضمن الآلة التجارية، فقد تجلى في عام ٢٠١٦ عندما أعلن واتساب تغييرا في شروط استخدامه، وشمل التغيير تقديم بيانات المستخدمين إلى فيسبوك، ويعني هذا التغيير في أحد أوجهه أن واتساب يقدم لفيسبوك معلومات من بينها رصد لنشاط المستخدم ودائرة معارفه وأوقات نشاطه وموقعه فيقوم فيسبوك بتحليل هذه البيانات واستخدامها لمحاصرة المستخدم بإعلانات عبر حسابه على فيسبوك، ويؤدي ذلك إلى تقديم فيسبوك خدمة إعلانية أكثر دقة للشركات، وهو ما يعني مزيدا من الإعلانات والأرباح.

وفي عام ٢٠١٨ عرف واتساب النسخة التجارية والتي لا تقتصر مميزاتها على التواصل بين الشركات والعملاء، وإنما يمكن من خلالها إتمام عمليات بيع وشراء في بعض الدول، ليصبح واتساب منصة تجارة رقمية. ويقول واتساب إن إجمالي المتعاملين مع الحسابات التجارية يوميا يصل إلى ١٧٥ مليون شخص.

وفي يناير ٢٠٢١ أراد واتساب أن يأخذ خطوة إضافية لدعم تجربة النسخة التجارية، فأعلن عن تغيير في شروط الخدمة ودعا المشتركين إلى الموافقة على الشروط الجديدة بحلول الثامن من فبراير إذا كانوا يريدون الاحتفاظ بحساباتهم. ويتعلق التغيير باستخدام واتساب للتواصل مع شركات لديها حسابات تجارية، حيث ستستطيع الشركات تخزين الرسائل على نظام خاص تؤجره من فيسبوك، وفي هذه الحالة تكون الشركة قادرة على استعادة الرسائل ومعلومات المرسلين واستخدامها في حملاتها التجارية ويمكن استخدام هذه المعلومات في إعلانات على فيسبوك، كما أن فيسبوك سيرصد مدى استجابتك للإعلانات التي تشمل التواصل عبر واتساب، وإذا كنت من المستجيبين سيستهدفك فيسبوك بمزيد من الإعلانات المشابهة.

أخطأت شركة واتساب عندما ألمحت إلى أن رفض الشروط سيعني فقدان الخدمة، فاستفز ذلك المستخدمين وفتح الباب أمام التكهنات وانتشرت شائعات تدعي أن التغيير الجديد يستغل رسائل المستخدمين ومحادثاتهم والصور ومقاطع الفيديو والمواد التي يتبادلونها. وأصبحت شركتا فيسبوك وواستاب في مرمى المعلومات المغلوطة، حيث أن التغيير لا يتعلق بالحسابات الشخصية وإنما يقتصر على محادثات التواصل مع الحسابات التجارية، ويبدو هذا التغيير متعلقا بشريحة معينة من المستخدمين في دول معينة، ولكن التغيير يمثل مزيدا من الانخراط لواتساب في الأنشطة التجارية لفيسبوك، ومزيدا من التخلي عن وعد الاستقلالية، وهو الأمر الذي يثير مخاوف المستخدمين من كونه مقدمة لمزيد من الاستغلال لبياناتهم أو بيعها لجهات أخرى خارج فيسبوك.

وخلال الأسبوع الأول من إعلان الشروط الجديدة لواتساب انخفض معدل انضمام مستخدمين جدد إلى واتساب، حيث بلغ نحو عشرة ملايين بينما كان حوالي اثني عشر مليونا في الأسابيع الماضية، بينما ارتفع نصيب سيجنال إلى نحو ١٨ مليون مستخدم وحصل تليجرام على نحو ١٦ مليونا، ثم تزايد نصيب التطبيقين في الأسابيع التالية، حتى أن تطبيق تليجرام حقق ٢٥ مليون مستخدم خلال ٧٢ ساعة، وتعرض سيجنال لمشاكل فنية وتوقف عن العمل لفترة مؤقتة بسبب الإقبال غير المسبوق من المستخدمين الجدد، خصوصا بعد تغريدة رجل الأعال الشهير إيلون ماسك مشجعا متابعيه على تويتر على الالتحاق بسيجنال.

وبدأت الضربات تتوالى على واتساب في أهم أسواقه، فقد اتجه الكثير من المستخدمين في الهند إلى تطبيقات بديلة، وأقيمت دعوى قضائية تقول إن التغييرات تعني مراقبة شاملة للمستخدم وحفظ معلوماته في دولة أجنبية وهو ما يمثل خطرا على الأمن القومي الهندي بحسب القضية.

كل هذه الظروف كانت كفيلة بإثارة حاسة استشعار الخطر عند مارك زوكربيرج، فتحرك واتساب على أكثر من مستوى لمواجهة الخسائر، فأوضح للمستخدمين في أوروبا أنهم غير مشمولين بهذه التغييرات، ونشر للمستخدمين في الهند إعلانات على صفحات كاملة في أبرز الصحف توضح أن التغييرات تتعلق فقط بالحسابات التجارية وليس الشخصية، وخاطب المستخدمين في أنحاء العالم عبر المنصات الاجتماعية المختلفة في محاولة لطمأنتهم، وقال في أحد بياناته إنه يستخدم نفس نظام التشفير الذي يستخدمه سيجنال، ولجأ في النهاية إلى تأجيل التغييرات في شروط الخدمة.

بدأت الأزمة في إحدى مراحلها صراعا بين رجال الأعمال والسياسة، فتجد رجل الأعمال الأمريكي إليون ماسك يدعو متابعيه على تويتر لاستخدام سيجنال، وتسمع أن بافيل دوروف مؤسس شركة تليجرام يقول إن سياسيين عالمين انتقلوا من واتساب إلى تليجرام وإن الانضمام إلى بدائل واتساب يعد أكبر هجرة رقمية في تاريخ البشرية! ربما تثبت الإحصائيات أن المستخدمين بالفعل تدفقوا بالملايين على بدائل واتساب، ولكن هذا الإقبال لا يعني بالضرورة هجرة من واتساب لأن المستخدم يستطيع أن يحتفظ بحسابات واتساب وبدائله، كما أن تلك البدائل ذات إمكانيات فنية محدودة وبالتالي لن تستطيع استيعات ملياري مستخدم إذا هجروا واتساب.

هناك الملايين من مستخدمي واتساب الذين لم يفكروا في الهجرة، فمنهم من لا يهتم كثيرا بهواجس الخصوصية والسرية، ومنهم من يدرك أن الاتصال بالإنترنت يعني باختصار التخلي عن مبدأ السرية، ومنهم من لم يسمع عن التغييرات في شروط الخدمة فهو معتاد على الضغط على خيار الموافقة بدون قراءة الشروط، ومنهم المضطر لاستخدام واتساب لأنه التطبيق الأكثر شعبية، ومنهم من لا يثق في واتساب بقدر عدم ثقته في منافسيه.

ويحسب لشركة فيسبوك التحرك السريع لاحتواء الأزمة، ولكن بيانات الطمأنة قدمت جزءا من الحقيقة وليس كل الحقيقة، فهي قالت إنها لا تستخدم رسائل المستخدمين وجهات اتصالهم ولكنها لم تذكر أنها تستخدم بيانات أخرى وتقدمها لفيسبوك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.