.
.
.
.

أميركا.. عن حلم التناغم والمساواة

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

تبدو الولايات المتحدة الأميركية على عتبات إدارة ديمقراطية جديدة، في حاجة إلى إحياء الحلم القديم، الخاص بالتناغم والمساواة، وخلق جماعة بشرية تقوم على العدالة والمودات المتبادلة، لكي يضيء نور أميركا الذي تحدث عنه الرعيل الأول من الآباء المؤسسين.

في الثامن عشر من يناير كانون الثاني الجاري، أي قبل يومين فقط من تنصيب الرئيس الأميركي الجديد، كانت الولايات المتحدة تحتفل بذكرى مارتن لوثر كنج، ذلك المصلح الاجتماعي الذي دفع حياته ثمنا لحلم راوده يتعلق بمستقبل أميركا.

جاءت ذكرى كنج هذا العام بعد صيف قائظ، ليس من جراء درجات الحرارة فحسب، لكن بسبب عودة الصراع الطبقي والأيديولوجي بين الأميركيين وبعضهم بعضا، ولم يعد الصدام قاصرا فقط على الأميركيين من أصل إفريقي، بل تجاوزه إلى غيرهم من البيض، واللاتينيين، وبات الانقسام هو ديدن الأمة في الوقت الراهن.

جاءت كلمة تنصيب الرئيس بايدن كمحاولة لجمع صف الشعب الأميركي تحت راية الوحدة، وصدرت المجلات الأميركية الكبرى تحت عناوين تتحدث عن الاتحاد والسلام، ومن غيرهما لن تكون هناك مسيرة حقيقية مستقبلية للدولة – الإمبراطورية.

والشاهد أنه ما من شك في أن روح لوثر كنج كانت تحلق فوق سماوات البلاد في هذه الأوقات العصيبة، تحلق حاملة حلم التناغم والمساواة بين جميع الناس، وما من طريق لحدوث ذلك سوى استخدام أدوات اللاعنف وتفعيل آليات السلام الأهلي والعبور فوق التمايز العرقي والطبقي.

يبدو كل أميركي في هذه الأوقات مدعوا لكي يكون صانع سلام، يوحد ولا يفرق، يطفئ الكراهية ولا يحفظها، ويفتح سبل الحوار ولا يغلقها، يمد الجسور ويهدم الجدران، ينظر للآخر على أنه قريب وجار، لا سيما أنها أمة مهاجرين، وقد أحسن الرئيس بايدن في يومه الثاني في البيت الأبيض وعلى هامش أوامره التنفيذية الجديدة، أن اعتبر المهاجر غير غريب حتى وإن لم يكن مواطنا أميركيا بعد.

تأتي ذكرى لوثر كنج بعد أيام قلائل من الهجوم الذي تعرض له الكونغرس الأميركي، والعنف الذي ساد المشهد، ولولا درجة من ضبط النفس تمتعت بها قوات حماية قلعة الديمقراطية الأميركية، لربما سالت الدماء بشكل غير متوقع، والعنف هو النقيض من كل ما نادى وعلم به لوثر طوال مسيرته التي انتهت بموته على يد المتعصبين والكارهين.

نجحت فلسفة لوثر في المطالبة بالحقوق المدنية والمقاومة بدون عنف، وقد أجمل الرجل خطته للمقاومة السلمية في كلمات تحمل معاني باقية حتى الساعة.

يقول لوثر: "قد يعتقد البعض أن عمل الحق بالمحبة، والمطالبة بالحقوق من غير عنف هو طريق الجبناء، لا، لا يمكن أن يكون ذلك كذلك أبدا، الخيار السلمي هو وسيلة للمقاومة غير العنيفة لمواجهة الشر، فنحن نعارض العنف فكيف يكون وسيلتنا للمطالبة بحقوقنا. ويستطرد أن العنف الجسدي يولد الكراهية ويعمل على استمرارها لا إنهائها، ومن ثم تمضي سلسلة العنف دون جدوى، بينما إن اعتمدنا على العقل والمشاعر الإنسانية في محاولة إقناع الخصم فسيساعد هذا على مخاطبته إنسانيا مما ييسر التواصل عبر الأجيال المختلفة".

هل يستنقذ حلم لوثر هذه الأيام الولايات المتحدة من دائرة العداءات اليمينية تارة، واليسارية تارة أخرى، وهل ينزع ذاك الحلم الغضب من صدور الأميركيين الأفارقة مرة أخرى، لا سيما بعدما تراكمت الضغائن في القلوب والعقول، وقد كادت البلاد أن تشتعل الصيف الماضي بعد حادث الشاب جورج فلويد، والذي تعامل معه بعض رجال الشرطة البيض بطريقة غير إنسانية أودت بحياته؟

حكما يمكن القطع بأن حلم لوثر قد يكون أفضل مانيفستو لبايدن الساعي إلى توحيد الأميركيين من جديد.

حلم لوثر بأن الأمة سوف تنهض ذات يوم وتطبق معنى عقيدتها الحقيقي، وهو أن كل البشر أخوة وعلى درجة واحدة من المساواة دون تمييز أو تفريق.

تطلع لوثر إلى نسق من الحرية الحقيقية لجميع الأميركيين، من خلال رؤيته لتلال جورجيا الحمراء وكيف يمكن أن يجلس عليها أبناء العبيد السابقون وأبناء ملاك العبيد، على مائدة الحوار، وهو حلم يمكن أن يترجم بآليات اليوم عبر المساواة في فرص العمل، وفتح مسارات الحياة ومساقات التطلع أمام الجميع من غير مراوغة، أو عودة لما قبل زمن إحقاق الحقوق المدنية في أوائل ستينات القرن المنصرم، ما يحقق رؤية مارتن لوثر لأطفاله الأربعة الذين يعيشون في أمة لا تحاكم على حسب لون البشرة، بل بحسب مضمون أخلاقهم، وقدرتهم على إفادة أمتهم بكل ما هو فاعل ونافع.

يدرك الرئيس بايدن ولا شك أن الدرب الأميركي بات ممتلئا بالكثير من أحجار العثرة، وأن محاولة تصويب المسار حكما ستجد صعوبات كبيرة وعقبات جسيمة، وربما سوف يتحتم عليه أن يدفع أكلافا باهظة لرؤيته التي تحاول استنقاذ الأميركيين من الخطر الداهم، وليس سرا القول إن الأوامر التنفيذية التي خطها في الساعات الأولى له في البيت الابيض، لن تجد هوى عند التيارات اليمينية، وربما تؤدي إلى ثورة المتطرفين.

مهمة بايدن ثقيلة بالفعل لا سيما في عالم يمور بتحديات الظلم الاجتماعي والانقسامات والصراعات التي تعيق تحقيق الصالح العام، لكن المثل الصالح للوثر كنج، والذي دفع حياته ثمنا له، سوف يمكنه من العبور فوق نهر الأزمات لتحقيق الحلم الأميركي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.