.
.
.
.

على رسلك يا معالي الوزير!!

خالد بن حمد المالك

نشر في: آخر تحديث:

أفهم جيدًا حين يدلي من لا علم لديه بآراء غير منطقية عن الصحافة ومستقبلها، أو حين يتحدث عنها وعن واقعها من لم يمارسها، وممن لم يكن ذات يوم واحدًا من نجومها والمبدعين فيها، لكني لا أفهم أبدًا أن يدلي وزير إعلام سابق بآراء انفعالية، وبأفكار لا تلامس المشكلة، ولا تشخِّص الحل، ليظهر معاليه وكأنه مغيَّب تمامًا عن المشكلة، فيما كان منتظرًا من مثله وقد أدلى بدلوه، أن يساعد على تجاوز معاناة المؤسسات الصحفية بآراء وحلول ووجهات نظر واقعية، لا أن يصب الزيت على نار المؤسسات الصحفية كما يفعل -حاليًا- من لا دراية ولا علم لهم بالصحافة وأسرارها، مثلما فعل معالي وزير الإعلام الصديق الدكتور عبدالعزيز خوجة.

فقد تحدث معاليه في لقاء متلفز عن وضع الصحف الورقية، وليته اكتفى بذلك، ولكنه خصَّ المؤسسات الصحفية برأي غريب، ووجهة نظر غير واقعية، فطالب بإغلاقها، وتركها تموت بدلاً من أن تقدِّم الدولة أي دعم لإنقاذها، أو الاستجابة لما سماه (الشحاذة!)، وهي كلمة مستفزة، ولا ترتقي إلى مستوى لغة الشعراء والمثقفين والإعلاميين، خاصة أن الدكتور خوجة يُصنَّف على أنه من بين هؤلاء، ما جعلني -بعد تردد- مضطرًا إلى إبداء وجهة نظري بما ورد في كلام الوزير السابق والرد عليه، في رأي أناقش فيه وجاهة طلب المؤسسات الصحفية دعمها لتتحول إصداراتها من صحافة ورقية إلى صحافة رقمية، أي أنني هنا أتحدث عن دعم المؤسسات الصحفية، لا الصحافة الورقية، مع رصد آخر المستجدات بما يحوم حول الصحافة الورقية على مستوى العالم من آراء ودعم من دولها.

وهنا يا معالي الوزير فالمؤسسات الصحفية لم تأتِ بجديد حين تطالب بدعمها لتتمكَّن من التحول إلى الصحافة الرقمية، بل دعني أذهب إلى أبعد من ذلك وهو المطالبة بتسريع هذا الدعم لتصبح المملكة أول دولة عالمياً تطبق مفهوم «صحافة بلا ورق» بعد إعادة هيكلة صحفها لتمكينها من التحول الرقمي، شأنها شأن الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية التي استثمرت منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 أموالاً ضخمة في التخطيط وإعادة الهيكلة والتدريب والتوظيف، وكذلك استثمرت في وسائل التقنية الحديثة خلال السنوات المنصرمة لتتماشى مع هذا المشروع التاريخي الذي يقوده الأمير الشاب محمد بن سلمان لتحقيق التطوير والتحديث في بنية الدولة ومفاصلها وأجهزتها، وصولاً إلى أن تصبح المملكة القائدة والرائدة في المنطقة كلها، وهو المشروع الذي أصبح المواطن يجني ثماره وأتاح لأي شخص قضاء العديد من احتياجاته في مختلف أوجه الحياة ومتطلباتها دون أن يغادر منزله أو مكتبه، والتي كانت تستغرق منه الوقت والجهد الكثير، كما أنها ساعدت في توفير أعلى معايير الشفافية والعدالة والتي دائماً هي الهاجس الأول لدى خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين.

لقد تحدث معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة عمَّا سماه (الشحاذة) وأن على المؤسسات الصحفية أن تتوقف عن ذلك، وربما كان يريد أن يقول: إن المؤسسات الصحفية تمارس (التسوّل) أو (الطرارة) لكن هاتين المفردتين الملازمتين للأولى ربما فاتت على معاليه، وهي مفردات لا تليق بشاعر وإعلامي ومثقف ووزير وسفير سابق، لكنها عادة ما تكون مشكلة لدى بعضنا حين يريد أن يعبّر عن آرائه، فتخونه العبارة، وتضيع منه الكلمة الموزونة، ويكون في وضع من لا يرى غير رأيه، ولا يصدق إلا ما يقوله هو لا ما يقوله الناس، خاصة إذا كان غير متابع للمشكلة التي يتحدث عنها، أو أنه ليس على علم كافٍ بتفاصيلها وأسبابها، ولا أظن أن الدكتور خوجة من بين هؤلاء.

والمؤسسات الصحفية يا معالي الوزير ضمن منظومة القطاع الخاص التي تسعى كل الحكومات مع جائحة كورونا إلى تقديم حزم دعم تحفيزية لها بمئات المليارات لكل دولة، ومنها المملكة التي رصدت 200 مليار ريال لتخفيف آثار الجائحة على القطاع الخاص، وفي أمريكا أقرّ الكونجرس نهاية ديسمبر الماضي 900 مليار دولار، فيما رفع الرئيس بايدن الدعم إلى 1.9 تريليون دولار، وقل مثل ذلك عن بقية الدول، ولم يقل أحدٌ في شرق العالم وغربه إن هذه شحاذة.

ففي شأن الدعم، أو (الشحاذة) الصحفية المحلية بحسب مصطلح معالي الدكتور الخوجة، هناك (شحاذة) أيضاً على مستوى عالمي نريد أن نذكِّر بها معاليه، فعلى سبيل المثال فقد طالب حزب المحافظين الأسكتلندي بدعم وسائل الإعلام الإقليمية في أسكتلندا من قِبل الحكومة لضمان بقائها على قيد الحياة. كما حث وزير مالية حكومة الظل دونالد كاميرون نظيرته في الحزب الوطني الأسكتلندي كيت فوريس على العمل مع حكومة المملكة المتحدة لضمان تيسير إجراءات الدعم للصحف في أسرع وقت ممكن، مطالبًا الحكومة بتوجيه المزيد من الإعلانات في اتجاه الصحف. كما عبَّر الوزير عن إدراكه أن قطاع الصحافة يواجه أوقاتًا غير مسبوقة، وأن حكومته ملتزمة بتقديم الدعم للصحف. واقترح كاميرون تبني خطة دعم للصحف، تكون مماثلة لخطة الحكومة الدنماركية التي قدَّمت للمؤسسات الإعلامية دعمًا بـ25 مليون جنيه إسترليني خلال فترة جائحة كورونا فقط، وطالب وزير مالية حكومة الظل بدعم الصحف، وذلك عن طريق توجيه المزيد من إعلانات الحكومة الكبيرة في اتجاه الصحف المحلية، كما قال المتحدث باسم الحكومة البريطانية، إن الحكومة تدرك أن صناعة الصحف تواجه تحديات خلال هذا الوقت الصعب، وأنها تقدر دور الصحف الحيوي في توفير المعلومات للجمهور البريطاني، وأن الحكومة ستتواصل بانتظام مع المؤسسات الإعلامية على المستوى الوزاري والرسمي للتفكير في كيفية دعمها.

وشخصياً لا أرى ما يعيب المؤسسات الصحفية حين تلجأ إلى خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- وتناشدهما لدعمها، فها هو يا معالي الوزير وزير التراث الفيدرالي (ستيفن جيلبولت) في كندا -على سبيل المثال- يصرح بدعم المؤسسات الصحفية هناك، ولك أن تسميها (شحاذة) وبأنه يتوقع في بلاده أن تبدأ أموال برنامج دعم أجور الأعمال التجارية الطارئ في التدفق في غضون أسابيع إلى صناعة الصحف الكندية، ويقدر التمويل لدعم الصحف بمبلغ 595 مليون دولار، مضيفاً: نحن نحاول إطلاق هذه الأموال من يدنا في أسرع وقت ممكن، مؤكداً بأن هدف الحكومة الكندية هو أن تبدأ الصحف بالحصول على شيكاتها سريعاً، وأوضح بأن الحكومة تنفق حالياً نحو 30 مليون دولار على حملة إعلانية صحية تستهدف مكافحة جائحة كورونا، مع توجيه 90 % من هذه الأموال إلى وسائل إعلامية ومنها صحف محلية.

وضمن المقابلة المتلفزة تحدث الدكتور خوجة عن عشر سنوات مضت وانقضت، ويحددها معاليه كتاريخ لعمر موت الصحافة الورقية، ومن يقول هذا الكلام هو من تبنى نقل ترخيص صحيفة الندوة المتوقفة عن الصدور لصحيفة مكة (الورقية) التي صدرت قبل ست سنوات وليس قبل عشر سنوات عندما كان الدكتور خوجة وزيرًا للإعلام، فكيف سمح لنفسه -آنذاك- أن يتبنى الترخيص لصدور صحيفة ورقية بدعم منه، حيث استخدم بوصفه وزيراً للإعلام -آنذاك- ترخيص صحيفة الندوة التي توقفت عن الصدور لتصدر بذات الترخيص صحيفة مكة الورقية، وهو يعرف قبل صدورها بأربع سنوات أن الصحافة الورقية قد انتهت كما يقول، وأنه لم يعد لها أي حضور مع ظهور المنصات والمواقع والصحف الرقمية.

التناقض الآخر في كلام معالي وزير الإعلام السابق، أنه يستنكر لجوء المؤسسات الصحفية إلى الدولة لدعمها، في ظل الظروف القاهرة التي تمر بها، ولا يكتفي بذلك، بل إنه يطالبها بالتوقف عمَّا سماه (الشحاذة)، بينما لا يجد الدكتور الخوجة غضاضة أو حرجًا عندما تبنى معالي الأستاذ إياد أمين مدني -حين كان وزيرًا للإعلام- دعم الدولة لصحيفة الندوة، بشكل استثنائي، ودون مساواة الصحف الأخرى بها، وقد تمت الاستجابة لطلبه، وسدَّدت الدولة التزامات الصحيفة التي قدِّرت بخمسين مليون ريال، ولا أدري هل كان الوزير مدني حينها -بحسب فهم ومصطلح الدكتور خوجة- يمارس دور (الشحاذ)، أم أنه كان يقوم بواجبه كوزير للإعلام بتبني دعم صحيفة كانت تئن من كثرة الديون والخسائر والتهديد بتوقفها عن الصدور.

لفت نظري، ما قاله الدكتور خوجة من أن الصحف الورقية توقفت عن الصدور في أمريكا وأوروبا والعالم، وهو قول يحتاج منه إلى دليل وإلى برهان، ومني إلى تمحيص وتدقيق، فالصحافة الورقية الأشهر في العالم لا تزال تواصل صدورها، وليته قال: إنها لم تعد بذلك الانتشار والتأثير لنفكر إن كنا سوف نوافقه على رأيه، لأن الصحف الورقية العالمية وغير العالمية ما زالت تواصل صدورها وإن توقف بعضها، حتى مع ظهور الصحافة الرقمية، التي تتميز بمنصاتها ومواقعها، وخدماتها السريعة، وأسلوب محتواها الجاذب والمشوِّق، واتساع فرص تصفحها دون حواجز، أو رقيب، أو حارس لبوابتها، غير أن حجة الدكتور خوجة في تبرير أقواله تنطلق من أنه قد لا يكون متابعًا، فأطلق رصاصة الرحمة على جميع الصحف الورقية في العالم، بينما هي لا تزال تنبض بالحياة، وربما كان هدفه من هذا الكلام تقوية حجته في الإسراع بنقل صحفنا الورقية من غرفة الإنعاش، إلى الموت السريع دون إعطاء الفرصة لأي محاولة لعلاج ناجع، ولا أقول لأي مسكنات تكون مكلفة، وليس لها من نتائج.

ولا بد من التذكير عوداً إلى قول معاليه إن الصحف الورقية في العالم قد توقفت عن الصدور، بأن هذا الكلام لا ينسجم ولا يتفق مع الواقع، وأرجو ممن يقرأ هذا التعقيب أن يكون على دراية وعلم ومعرفة بعدم صحة ما قاله معاليه، وقد قصدت من تعقيبي على معاليه أن يكون توثيقاً للمعلومة الصحيحة، وإثباتاً للحقيقة، وقد اخترت نماذج من بين أشهر الصحف الورقية العالمية التي تتمتع بنسب عالية من المقروئية، وتصدر في أمريكا وبعض دول أوروبا لإثبات عدم صحة ما قاله الدكتور خوجة.

- ففي أمريكا ما زالت تصدر ورقياً عدداً من أشهر صحفها: وول ستريت جورنال، يو إس إيه توداي، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، لوس أنجلس تايمز، نيويورك بوست، تامبا باي تايمز، شيكاغو تربيون، نيوز داي، ستار تريبيون.

- وفي بريطانيا لم تتوقف عن الصدور صحفها الورقية: فاينانشيال تايمز، ذا جارديان، ذا صن، ديلي ميل، ديلي ميرور، ذا تايمز، ديلي تلغراف، ديلي إكسبرس، ديلي ستار.

- أما في إيطاليا فما زالت تصدر هذه الصحف ورقياً: كورييري ديلا سيرا، لا ريبوبليكا.

- وفي ألمانيا فيما يلي عدد من الصحف التي لا تزال مستمرة بالصدور ورقياً، وهي: فرانكفورت ألجماينه تسايتونج، دير تاجس بيجل، شتوغترت، بيلد هامبورغ.

- أما في كندا فهناك صحف تواصل الصدور هي الأخرى ورقيًا وهي: تورنتو ستار، أوتاوا صن، أوتاوا سيتيزن، ناشيونال بوست.

- وفي فرنسا لم تتوقف هذه الصحف عن الصدور ورقياً: لو فيغارو، لو موند، لو باريزيان ليزيكو، لاكروا، ليبيراسيون، لوموند ديبلوماتيك.

- أما في النمسا فما زالت تصدر هذه الصحف ورقياً: هيوته تسايتونج،كرونين تسايتونج.

- وفي بولندا لم تتوقف عن الصدور صحفها الورقية: ريز بوليته،جازيته برافنا، فايبورخه.

ولا يمكن لنا أن نغفل حقيقة أن النشر الرقمي بدأ ينتشر في السنوات القليلة الماضية بشكل هائل، غير أن هذا لا يُسقط رأي مَن يرى أن النشر المطبوع لا يزال هو الآخر مطلوبًا؛ بدليل -وهذا على سبيل المثال وليس الحصر- تبنى 78 عضوا من أعضاء مجلس النواب الأمريكي في منتصف 2020 القانون رقم HR7640 الخاص باستدامة الصحافة المحلية، إضافة لإطلاق (فيسبوك) مؤخرًا مجلة مطبوعة تحت اسم (Grow). كما أن بعض الإحصاءات تشير إلى أن 58 % من المشتركين في الصحف التقليدية ما زالوا يصنفون أنفسهم بأنهم على ولاء للصحف الورقية. كما يشير تقرير لصحيفة نيويورك تايمز إلى أن الصحيفة حافظت على قاعدة المشتركين في نسختها المطبوعة، وعلى ثباتها، مع انخفاض بسيط على أساس سنوي. وحتى لو كانت الصحف الورقية تتجه في المستقبل نحو الرقمنة فإن التحول الكامل إليها لا يزال أمامه سنوات، كما جاء ذلك في بعض الدراسات، التي ترى أن النشر المطبوع لا يزال له شيء من حيويته.

وما طرحه الدكتور خوجة لا يمكن أن يقبل به إنسان منصف، حتى ولو صدر من وزير إعلام سابق، كانت له بحق إنجازات مقدرة خلال فترة عمله وزيرًا للإعلام، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن الهيئات الإعلامية التي تم إقرارها لم يلتزم من سبقه إلى الوزارة من الوزراء في تفعيلها وتنفيذها إلى أن جاء هو وفعَّلها، وإذاعات الـFM من ضمن إنجازاته، ومثل ذلك قناتا القرآن والسنة، كما جدد الأنظمة الإعلامية، وفتح مساحة في حدود المعقول لحرية النشر، ودافع عن الصحفيين متى كانت اجتهاداتهم غير موفقة بما كان ينشر لهم، غير أن هذا لا يبرر له أن يرمي الآراء على عواهنها، ولا أن يتحدث بما يخالف ما تقوم به الآن وزارة الإعلام ووزيرها المكلَّف معالي الدكتور ماجد القصبي من تنسيق وعمل متواصل مع المؤسسات الصحفية لتسهيل التحول من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، باتجاه الإبقاء على المؤسسات الصحفية بإمكاناتها الكبيرة، وتاريخها الطويل، وهي التي يريد الدكتور الخوجة إقفالها، وإنشاء شركات بديلة، تضم تليفزيونات وإذاعات وسينما وغيرها، وهو يعلم يقيناً أن القضية ليست أن تنشئ فقط، ولمعاليه تجربة سابقة حين أنشأ 3 قنوات تليفزيونية لم يكتب لها النجاح وأقفلت وهي الأجيال والثقافية والاقتصادية، وإذاعات الإف إم يعلم معاليه معاناتها الحالية، والسينما صناعة مستقلة لها شركاتها التي أصبحت لها قدم راسخة في بلادنا.

إن أكبر خطأ نرتكبه بحق الصحافة المحلية حين نخلط بين الصحافة الورقية والمؤسسات الصحفية، دون أن نفرِّق بينهما، فالصحافة الورقية منتج واحد في الصناعة الصحفية، ومثلها الصحف الرقمية، بينما المؤسسات الصحفية هي بمثابة مصنع ومظلة لمنتج صحفي أو أكثر، قد يكون ورقيًا وقد يكون رقميًا، وقد يجمع بينهما، وحين يأتي من يطالب بالبدء في التحول من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، تحت مظلة المؤسسات الصحفية، انسجامًا مع التوجه في الثورة الرقمية التي يمر بها العالم، فهذا مطلب مفهوم ومقنع، لكن غير المفهوم وغير المقنع، حين يأتي الدكتور خوجة ويطالب بإغلاق المؤسسات الصحفية، ويقترح إنشاء شركات بديلة لها، لتكون هذه الشركات كما لو أن عليها أن تمارس دور وعمل وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية التابعة للوزارة وكذلك المؤسسات الصحفية، وهو بنظرنا رأي متسرِّع، ولم يبن على دراسات، أو رؤية مستقبلية، بل إن معاليه بهذا الاقتراح، إنما يفرِّغ البلاد من امتلاكها ناصية الصحافة التي تخدم الوطن والمواطن، دون أي ضمانات يمكن أن تحققها آراء الدكتور فيما رسمه من مستقبل لها.

وكانت آراء معالي الوزير السابق ستكون موضع ترحيب بها، ومقنعة، ومعقولة، وتصب في الاتجاه الصحيح، لو أنه طالب بتحويل الصحف الورقية إلى رقمية، وتحدث عن إمكانات المؤسسات الصحفية، وأنها قادرة -مع شيء من الدعم- على تقديم صحافة رقمية بمحتوى جيد، يخدم مصالح المملكة، ويعبّر عن واقعها المتطور، لكنه ذهب إلى المطالبة بإنشاء شركات جديدة، وفي المقابل التسريع بإغلاق المؤسسات الصحفية، بما فيها من صحف ورقية، لأن زمانها برأيه ولَّى وانتهى، ولم يعد هناك من يقرؤها، ووفقاً لهذا الرأي، فنحن أمام مرحلة تقتضي -برأي وزير الإعلام السابق- أن ننسى الماضي، ولا نبني عليه، وألا تكون للمؤسسات الصحفية فرصة لاستثمار كوادرها وتاريخها وخبراتها في إطلاق صحافة رقمية بمحتوى عالٍ من التميز الذي لا ينكر أحد أنه مطلب مهم، وأن المؤسسات أقدر على تحقيقه من شركات يطرح فكرتها الدكتور الخوجة، وهي شركات لو رأت النور فلن تكون مربحة، ولن يكون لها جدوى من المنظور الاقتصادي لا الإعلامي، وبالتالي لن تجد مستثمرين كما يتوقَّع ذلك الوزير السابق.

وعودة إلى الدعم الحكومي الذي نراه ضرورة ليس لإبقاء الصحافة الورقية فحسب، وإنما من أجل المحافظة على المؤسسات الصحفية التي تملك القدرة على تقديم محتوى صحفي جيد في صحافة رقمية متى توفر لها المال، ولعلم الدكتور الخوجة فإن أمريكا ودول أوروبا وكل دول العالم تقدِّم حكوماتها دعماً للصحف، باعتبارها أحد المنابر والأصوات في خدمة الشأن المحلي، والدفاع عن المكتسبات الوطنية، وقد أشرت إلى بعض المعلومات المتاحة عن هذا الدعم، ولذلك لا أجد غضاضة حين تطالب المؤسسات الصحفية مجتمعة بالدعم، وإن سماه معاليه شحاذة، بمعنى تسوّل، أو (اطراره)، وهو كلام لا يستحق الصحفيون ولا المؤسسات الصحفية أن ينعتوا به، أو أن يكون هذا رأي وزير إعلام سابق كان من بين أنجح وزراء الإعلام السابقين.

والدولة -بقيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله- لم ولن تتردد في تقديم الدعم السخي لكل قطاع يخدم الوطن والمواطن بما فيها المؤسسات الصحفية، وبيننا أمثلة كثيرة، فالرياضة، والسياحة، والترفيه، والثقافة، وغيرها تحظى كلها باهتمام مقدَّر ومثمَّن من سلمان ومحمد -حفظهما الله- ومتى وصل صوت المؤسسات الصحفية لهما بالحقائق والأرقام والإحصاءات وتجارب الدول الأخرى، فلن يترددا في دعمها، وهو -كما أعرف- ما يقوم به الآن وزير الإعلام المكلَّف معالي الدكتور ماجد القصبي، من خلال اجتماعاته المكثفة برؤساء التحرير والمديرين العامين للمؤسسات الصحفية والكتَّاب ومسؤولي الوزارة للوصول إلى موقف موحَّد للتحول من صحافة ورقية إلى صحافة رقمية لخدمة العمل الصحفي، تمهيدًا للرفع بذلك إلى المقام السامي الكريم، مراعياً في ذلك التطورات والمستجدات المتسارعة في العمل الصحفي، والمتطلبات لتكون لدينا صحافة رقمية مؤثِّرة وتُقرأ، ومؤسسات تخضع للتقييم والتجديد والابتكار والحوكمة، وبما يتناسب مع هذه المرحلة حتى تكون صحافتنا في وضع أفضل.

تفكير الدكتور عبدالعزيز خوجة أخذه بعيداً ليقترح -بعفوية- إنشاء شركات إعلامية مساهمة بديلاً للمؤسسات الصحفية التي طالب بالحداد عليها، وأن تكون هذه الشركات في عدد من مناطق ومدن المملكة، بحيث تضم في نشاطاتها المتعددة، صحافة إلكترونية، وسينما، وقنوات تليفزيونية، وما إلى ذلك من النشاطات التي يعرف الدكتور استحالة قيام شركة واحدة بكل هذه النشاطات، وأن شركات كهذه تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، بما يجعل الفكرة وموتها والحداد عليها قائمة من الآن، بينما تستطيع المؤسسات الصحفية أن تواصل ممارسة تخصصها الصحفي مع نشاطات أخرى محدودة متى تم الدعم لها، على أن تكون النشاطات الأخرى كالسينما، والقنوات التلفزيونية والإذاعات وغيرها منوطة بمؤسسات وهيئات أخرى حكومية وخاصة، فالتخصص الصحفي وحصره في نشاط أو نشاطين وإيكاله للمؤسسات الصحفية سيصاحبه جودة في المحتوى، وقدرة على الاستمرار والنجاح دون متاعب.

ولا بد من التذكير في نهاية هذا المقال أن المؤسسات الصحفية لديها كلها -ودون استثناء- منتوجات رقمية، وتعمل الآن بمتابعة ودعم من معالي وزير الإعلام الدكتور القصبي على تسهيل التحول من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، مع المحافظة على كيانات المؤسسات الصحفية، كونها مظلة للصحافة الرقمية، كما كانت ولا تزال مظلة للصحافة الورقية، كما أن الخيارات البديلة للمؤسسات الصحفية غير موجودة على الأقل في الوقت الحاضر، واقتراح الدكتور خوجة بإنشاء شركات جديدة غير عملي وغير مطروح، ولن يكون له القبول من المستثمرين فيما لو طُرح، لأن التكلفة ستكون عالية جداً والخسائر ستكون كبيرة جداً.

نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.