.
.
.
.

العدالة الاجتماعية بين اليمين واليسار

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

على مدى عقود طويلة، تصور معظمنا أن مفهوم «العدالة الاجتماعية» فى مصر وفى عالمنا العربى، ظهر فى بيئة يسارية فكرًا أو تنظيمًا، وربما هما معًا، ويبدو أن هذا التصور تحول إلى ما يشبه اليقين لدى بعض رموز اليسار، لذا حين نسبت هذه الفكرة- خطأ- إلى سيد قطب وكتابه «العدالة الاجتماعية فى الإسلام» سارع بعضهم إلى الجزم أن قطب كان وقتها على صلة تحالف بإحدى المجموعات الماركسية، ولا يوجد ما يثبت ذلك إلى الآن ويجعلنا نطمئن إليه ونقبل به.

قال لى أستاذنا الراحل د.عز الدين إسماعيل، وكان حديث التخرج وقتها، إنه شعر باندهاش شديد، حين صدر كتاب سيد قطب، فقد وجد تهليلًا له من بعض الكتاب الشبان، خاصة اليساريين منهم، إلى حد القول إن ذلك الكتاب سيقود ثورة اجتماعية وأن كاتبه هو فولتير مصر، واعتبار البعض الكتاب «مانيفستو مصرى وعربى»، وهكذا قورن الرجل بفولتير وماركس معا، لذا انطلق هو ليفند الكتاب وغيره من أعمال قطب، على صفحات مجلة «الثقافة» وينتهى فيها إلى اتهامه بالسرقة الأدبية الكاملة فى أكثر من كتاب، لم يكن هدفه الأول من تناول الكتاب هو انتقا د قطب أو الحط من شأنه بل التنبيه إلى خطأ الانبهار البالغ وافتقاد العقلية والروح النقدية فى التعامل مع الأفكار، فضلا عن افتقاد الأمانة العلمية، وقد عرضه ذلك المقال لغضب ومخاطر شديدة، كانت مجلة الثقافة تصدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر وكان يترأس تحريرها المؤرخ الإسلامى أحمد أمين.

الوقائع تجعلنا نعيد النظر فى ذلك التصور، أقصد أن العدالة الاجتماعية كمصطلح ونداء منتج يسارى، فضلًا عن أن تكون من منتجات المتأسلمين.

وجود صالح ميخائيل ومؤلفاته، خاصة كتابه «العدالة الاجتماعية»، هو العامل الحاسم فى ذلك، لم يكن صالح يساريا، بل يمكن أن نضعه بضمير مستريح فى اليمين، لكن «اليمين المعتدل» أو غير المتطرف، كان يمينيا بحكم موقعه الوظيفى فى وزارة التجارة والصناعة لفترة طويلة، عبر حكومات حزبية متباينة، وبحكم حبه أو الشعور بالولاء للملك فاروق «المليك» بتعبيره، الأهم من ذلك أن كتبه تحدد موقعه الفكرى، خاصةً كتابه عن العدالة الاجتماعية.

وحين نفكر فى الأمر جيدًا فإن مصطلح ومعنى العدالة الاجتماعية فى مصر وفى غيرها، أقرب إلى التفكير اليمينى، وزارة الشؤون الاجتماعية فى مصر، أسسها على ماهر (باشا) وقد تأسست لرعاية الفقراء والمحتاجين بعد أن اتسع هذا الدور على وزارة الأوقاف، كانت الأوقاف تصرف بعض المعونات للمحتاجين، وكانت تصنف كأغنى وزارة فى مصر، لأن الأوقاف الخيرية كانت تتبعها. فى مذكرات الراحل محمد زكى عبد القادر نجد أن وساطات الأغنياء وذوى الحيثية فى المجتمع كانت تتجه نحو الأوقاف لتعيين الأقارب والمحاسيب، ومن حسن الحظ أن الروائى العظيم «نجيب محفوظ» عمل فى بداية حياته الوظيفية بالأوقاف وكان مختصا بعض الوقت فى نظر شكاوى وطلبات المحتاجين، التى ترد إلى الوزارة. رائعة محفوظ «بداية ونهاية»، استقاها من إحدى الشكاوى.

كانت هناك كذلك بعض الجمعيات الخيرية لهذا الغرض وغيره، الحق أن بعض تلك الجمعيات كانت تعود للقرن التاسع عشر، الجمعية الخيرية الإسلامية تأسست سنة ١٨٨٤، لكن مشكلة الفقر باتت أكبر من جهد الأوقاف وجهد الجمعيات الخيرية، خاصةً مع سنوات الحرب العالمية الثانية، عادةً نهتم بأغنياء الحرب، من هم، كم عددهم، الثروات التى حققوها، لكننا لا نهتم كذلك بفقراء الحروب وهم كثر دائما، وفى الأخير كان لا بد من وزارة قائمة بذاتها للفقراء.

على ماهر هو نفسه الذى ضحى بمنصب رئيس الوزراء فى سبتمبر ١٩٥٢، حتى لا ينفذ قرار اللواء محمد نجيب وضباط مجلس القيادة بتحديد الملكية الزراعية، الذى عرف بقانون الإصلاح الزراعى الأول، كان الأمر بالنسبة له يفوق قدرته على الاستيعاب، لم ينفذه ولم يرفضه أيضا، عموما كان رأيه فرض ضريبة تصاعدية على الدخل، يدفعها كبار الملاك وتذهب لحساب مشاريع تقام لرعاية أو خدمة الفقراء.

اليسار الحقيقى يطالب بتطبيق الاشتراكية، وفى الأربعينات كانت نسخة الزعيم السوفييتى ستالين هى المعتمدة والسائدة، وبعد صمود الروس أمام هتلر وفشل الأخير بعد حصار «لينتجوا»، صار للنموذج السوفييتى جاذبيته الشديدة لدى الكثيرين حول العالم، صحيح أنه كان هناك داخل اليسار من لم يكن سعيدًا بكل ما يقوم به ستالين، غير أنها كانت خلافات فى التنفيذ والتطبيق أو صراعات داخلية. فى مصر وفى عالمنا العربى كان هناك من يعجب بأداء وتجربة ستالين، خاصةً بين المتعلمين والمثقفين وبين بعض أبناء الطبقة الأرستقراطية.

ويمكن أن نلاحظ بسهولة موقف عدد من مجموعات وتنظيمات اليسار تجاه جمال عبد الناصر، فى البدء كان مجرد ضابط من القيادات الوسيطة، مجرد برجوازى صغير، قاد انقلابا على السلطة، وأجهض الحالة الثورية فى مصر وعطل المسيرة الديمقراطية، آراء عديدة سلبية قيلت فيه وانتقادات حادة، حتى انتهى الأمر باعتقالهم جميعًا سنة ٥٩، ثم أعلن الرئيس عبد الناصر، قوانين يوليو الاشتراكية سنة ١٩٦١، فأصدروا من داخل السجون بيانات التأييد له، وقالوا لقد حقق ما كنا نناضل من أجل الوصول إليه. باختصار العدالة الاجتماعية ليست هى الاشتراكية.

لم يكن غريبًا أن يشير صالح ميخائيل إلى جامعة لندن حيث درس وتعلم، ويذكر بعض أساتذته الذين تأثر بهم. أشار كذلك إلى كتاب Elements of social justice، الذى اعتمد عليه. المناخ العام فى إنجلترا كان يسعى منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى تجنب أفكار كارل ماركس، خاصةً إصراره على أن «الديمقراطية الاجتماعية»، تتحقق بالعنف «الثورى»، وما يترتب على ذلك من الصراع الطبقى، وهكذا ظهر مفكرون وكتاب إنجليز قدموا نموذجا آخر، عرف باسم الفابية، يرى ضرورة الاهتمام بالفقراء ورعايتهم، دون المرور بالمرحلة الثورية أو العنف والفوضى، كان بين هؤلاء الأديب والمفكر جورج برنارد شو، الذى ترجمت إلى العربية بعض أعماله.

تحقيق بعض أفكار كارل ماركس بشكل ديمقراطى، سلمى تماما، هو ما أطلق عليه «العدالة الاجتماعية»، وقد انتشرت فيما بعد بأنحاء أوروبا الجماعات الفكرية والأحزاب التى تتبنى إقامة العدالة الاجتماعية سلميا وديمقراطيا، حدًّا من التوحش الرأسمالى وتجنبا للنموذج السوفييتى أو ما أطلق عليه الاجتياح الشيوعى. سوف نلاحظ أن الولايات المتحدة ساندت دعوات بعض المصريين، قبل٢٣ يوليو٥٢، للحد من الملكيات الزراعية وتقديم الرعاية للفقراء، وقد تجاوزت هذه الدعوات المجال الفكرى والثقافى وكذلك الصحفى، حيث وصلت إلى مجلس النواب، فقد قدم مشروع إلى المجلس من النائب محمد خطاب وكذلك إبراهيم شكرى لتحديد الملكية الزراعية ورفضته الأغلبية وغضب قصر عابدين من هذه الأفكار والمقترحات.

وحتى مايو٥٢، ظل الملك فاروق يسمع من أصدقائه فى السفارة الأمريكية، عبر السفير كافرى وغيره، نصائح بضرورة اتخاذ خطوات للحد من الفقر، تجنبا لثورة شيوعية تطيح به وتفتح المجال لتغلغل سوفييتى فى المنطقة كلها، ولما لم يستجب لهم، وبالأحرى استخف بآرائهم، نعتوه فى وثائقهم بأقذع الصفات، وكان ذلك رأى البريطانيين أيضا، لكنه كان كارها بعمق لهم وكان يتجنب لقاءاتهم إلا فى حدود الضرورة ولم يكن يستمع إليهم. وفعليًّا لم ينصت لأى نصائح قيلت له، حتى التى جاءت من أصدقاء خارج النطاق الأمريكى أو البريطانى، بما فيها تلك التى جاءته من بعض الزعماء المصريين، بل حتى تلك التى ترددت داخل العائلة.

والحديث متصل.

*نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.