.
.
.
.

العواطف الأميركية في مواجهة الإرهاب

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

قد لا يروق للبعض انتقاد سياسة الولايات المتحدة الاميركية في مواجهة جماعات العنف والتطرف، ولكن لا تغيب عنا مسؤوليتها عن نشاط هذه التنظيمات، على الأقل في المنطقة العربية، وهذه المسؤولية تتحدد في مسارين مهمين، أولهما أن هذه التنظيمات تلقت دعماً من واشنطن اعتقاداً منها أن ثمة مصلحة سياسية خاصة قد تحققها من وراء هذا الدعم، وثانيهما، أن واشنطن لم تكن مشغولة بمواجهة التنظيمات المتطرفة إلا ما كان يتعارض من هذه التنظيمات مع سياستها.

قد تكون هذه المناقشة مهمة في بدايات حكم الرئيس الاميركي جوزيف بايدن داخل البيت الأبيض وسياسة حزبه الديموقراطي المعروف عنه استخدام جماعات العنف والتطرف (الجماعات المؤدلجة دينيًا) وجماعات التمرد (منظمات حقوق الإنسان) واستغلالها. المصلحة الاميركية هدف أساسي ورئيسي يراه الديموقراطيون من خلال دعم الجماعات المتطرفة والمتمرده، وكلٌ من هذه الجماعات يُغازل اميركا للأسباب نفسها، وهذه الأسباب ربما تكون وراء دعمها لهذه التنظيمات.

أصدرت وزارة الخارجية الاميركية قبل إسبوعين قراراً بوضع حركة "سواعد مصر.. حسم"، إحدى روافد "الإخوان المسلمين"، على قوائم الإرهاب، كما شمل القرار تنظيم "ولاية سيناء" المنبثق من تنظيم "أنصار بيت المقدس"، الذي أعلن مبايعته ما يُسمى بالدولة الإسلامية "داعش" في العام 2014، وأطلق على نفسه "ولاية سيناء".

والسؤال الذي لابد من أن يُطرح على طاولة الحوار فور مناقشة القرار الاميركي، لماذا تأخرت الولايات المتحده في وضع الميلشيات السابق ذكرها على قوائم الإرهاب؟ مع العلم أنها أنشأت تحالفاً دولياً لمواجهة تنظيم "داعش" في العام 2014، كان هدفه الحد من قدرات التنظيم وليس القضاء عليه بعد إعلان دولته في 29 حزيران (يونيو) من العام 2014، بحسب تصريحات الرئيس الاميركي وقتها بارك أوباما!

في الوقت الذي كانت تُحارب فيه اميركا "داعش" عبر الضربات الجوية دون الخوض في حرب برية، وهو ما أخر حسم معركة "داعش" حتى أعلن الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب القضاء على التنظيم نهائيًا في 22 آذرا (مارس) من العام ،2019 أي بعد 5 سنوات من بداية الحرب التي اشتركت فيها أكثر من سبعين دولة، ورغم التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحده ضد "داعش"، لم نجد هذه المواجهة لأفرع التنظيم في باقي دول العالم، فقرار الخارجية الاميركية شمل فرع التنظيم في مصر منذ أيام فقط، كما أن هذه المواجهة تم افتقادها مع باقي التنظيمات المتطرفة التي لا يقل خطرها عن تنظيم "داعش".

واجهت الولايات المتحدة تنظيم "داعش" بينما قدمت دعمها في ظل وجود إدارة الديموقراطيين داخل البيت الأبيض لـ "الإخوان المسلمين" في مصر بعد العام 2011 وبعد العام 2013، وها هي الآن تضع ميلشيا حركة "سواعد مصر.. حسم" على قوائم الإرهاب. تضع ميلشيا "حسم" على قوائم الإرهاب وتترك الحركة نفسها التي خرجت هذه الميلشيا من رحمها.

المتأمل في نشأة حركة "حسم" يُدرك علاقة "الإخوان المسلمين" بالعنف. سواء العلاقة الفكرية أم العلاقة الملموسة بالممارسة العملية؛ فاللجنة الإدارية العليا التي شكلتها الجماعة لإدارة شؤونها بعد هروب أعضاء مكتب الإرشاد ومحاكمة بقية قياداته على خلفية قضايا جنائية، قامت الجماعة بتشكيل هذه اللجنة لإدارة شؤون الجماعة وقيادة التنظيم في مرحلة الصدام التي اختارتها مع الدولة.

هذه اللجنة المعترف بيها من قيادات الجماعة والتي تم انتخابها هي من أقرت استخدام العنف بعد دراسة المبررات من خلال قيادات الجماعة الشرعيين، الذين تدارسوا إمكان استخدام العنف على مدار ثلاثة شهور متصلة، انتجوا من خلالها ما سُمي بـــ "فقة المقاومة الشرعية" وهي عبارة عن دراسة وزعت على كل المكاتب الإدارية للإخوان داخل المحافظات بررت من خلالها قتل الخصوم سواء من ضباط الشرطة أم الجيش أم المدنيين بدعوى القاعدة الشرعية "دفع الصائل".

مسؤول اللجنة الإدارية العليا د. محمد كمال، كان عضواً في مكتب إرشاد الجماعة، وهو من أقر، مع كامل تشكيل اللجنة، مواجهة السلطات المصرية بالعنف ودفع لتدشين هذه الميليشيا التي مارست العنف واتهمت بقتل النائب العام المصري المستشار هشام بركات، كما حاولت اغتيال مفتي الديار المصرية الأسبق د. على جمعة وتفجير معهد الأورام وغيرها من العمليات المسلحة.

لم يفهم من القرار الاميركي لماذا أستثنت واشنطن حركة "الإخوان المسلمين" من قرار وضعها على قوائم الإرهاب؟، وأكتفت فقط بوضع حركة "حسم" على القوائم السوداء للإرهاب ووضع اسم قياديين من الميليشيا من دون الاقتراب من التنظيم الذي يمثل المعين لكل حركات العنف والتطرف، كما أنه يمثل خزّان العنف الذي لا ينضب.

وضعت إدارة دونالد ترامب هذه الحركة على قوائم الإرهاب في الأيام الأخيره قبل أن تنتهي ولايتها، كما تحدث وزير خارجيته عن العلاقة التي تربط إيران بتنظيم "القاعدة"، وهو ما يطرح تساؤلاً جديداً بخصوص مواجهة اميركا للتنظيمات المتطرفة أو الدول التي تدعمها؟، كما يطرح تساؤلاً أكبر وأعمق بخصوص تأخرها في وضع تنظيم "الإخوان المسلمين" على قوائم الإرهاب؟

"الإخوان المسلمون" تنظيم دولي عابر للحدود والقارات، وعبء مواجهته لا يقتصر فقط على مصر. قد تكون بداية التنظيم وقيادته في مصر، ولكن هذا لا يعني أن مصر هي المناط بها مواجهة هذا التنظيم في ظل غياب المجتمع الدولي عن القيام بدوره، مع العلم أن التنظيم يتواجد في أكثر من ثمانين دولة، وخطره يشمل كل دول العالم بما فيها اميركا وقارة أوروبا بأكملها.

على الولايات المتحدة أن تكون أكثر جدية في مواجهة تنظيم "الإخوان المسلمين"، وأن تتخلى إدارة جو بايدن عن دعم تنظيمات العنف والتطرف، فمن مصلحة اميركا دعم دول منطقة الشرق الأوسط في مواجهة الإرهاب. سواء تنظيمات العنف والتطرف بخلفيتها السنية "القاعدة وداعش والإخوان" كمثال، أو التنظيمات المتطرفة ذات الخلفية الشيعية "حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين" كمثال، وعليها أيضاً أن تقفز إلى فكرة المواجهة العملية وألا يقتصر دورها على مجرد قرارات تصدر متأخره فتفقد معناها وتأثيرها.

لا أحد يمكنه أن ينكر أهمية الولايات المتحده في مواجهة الإرهاب، وبخاصة المعولم أو عابر الحدود والقارات، غيابها أصاب العالم بإنتكاسه كبيرة وحضورها سوف يقطع خطوات حقيقية في مواجهة هذه التنظيمات، وعلى واشنطن أن تُدرك خطورة هذه التنظيمات على أمنها القومي وعلى أمن العالم بأكمله، فما تظنه خطراً بعيداً منها قد يصل اليها في القريب العاجل.

على الدول العربية ألا تُراهن كثيراً على المواجهة الاميركية للإرهاب، بل عليها أن تقنع واشنطن بدورها في هذه المواجهة وبالخطر الذي ينتظرها في حال عدم المشاركة في المواجهة العملية، وفي الوقت نفسه لا تنتظر تعويلاً على مشاركتها، بل تستثمر دولنا العربية في المواجهة وفق الإستراتيجية التي تحقق أهداف هذه المواجهة وألا تنتظر دعماً أو دوراً كان وما زال غائباً عن المواجهة.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة