.
.
.
.

حماية «البرّية».. نجاح هندي

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

لطالما سعت الهند إلى إحداث توازن بين تنميتها الاقتصادية وجهودها في مجال حماية البيئة والموارد الطبيعية، ومؤخراً كانت هناك بعض الأخبار السارة، على الأقل على صعيد القطط الكبيرة.. فقد وجد الإحصاء الأحدث للفهود، والذي أجري إلى جانب إحصاء مماثل للنمور، أن القطط الكبيرة بخير في الهند. ووفق «حماة البيئة»، فإن أعدادَ الفهود في الهند ارتفعت بـ60 في المئة، خلال أربع سنوات حتى 2018. ووجد الإحصاء 12 ألفاً و852 فهداً عبر مناطق مختلفة من البلاد. والخبر السار هو أن هذا العدد لا يشمل إحصائيات من كل أرجاء الهند. ووفق السلطات، فإنه قد يكون هناك ما يصل إلى 20 ألف فهد في مناطق أخرى كثيرة، مثل كشمير وعدد من الولايات الأخرى التي لم يشملها إحصاء النمور والفهود لأسباب إدارية.
وكان آخر إحصاء للقطط الكبيرة قد أُجري في 2014، وكان العدد وقتئذٍ هو 7910 فهداً. لكن أحدث الأرقام المفرج عنها تتعلق بـ21 فقط من أصل 28 ولاية هندية و8 مناطق خاضعة للإدارة الفدرالية. وهذا يعني أن الهند تظل أكبر موطن للفهود خارج أفريقيا في وقت تعتبر فيه الفهود مهددة بالانقراض في أجزاء أخرى من العالم. ويُعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة لاستقرار أعداد الفهود هو السيطرة على الصيد غير المشروع. ذلك أن ثمة طلباً كبيراً على جلود الفهود وأجزاء أخرى من أجسامها، وهذه الأخيرة تباع في أحيان كثيرة على أنها لنمور. واللافت هنا أن الطلب على تلك الجلود والعظام لا يأتي من داخل الهند وإنما من بلدان أخرى.
بيد أن أحد الأسباب الأساسية لاستقرار أعداد هذه الحيوانات هو الجهود التي تبذلها الهند من أجل حماية النمور. ففي سبعينيات القرن الماضي، قررت الهند تركيز كل جهودها في مجال حماية البيئة والموارد الطبيعية على النمور. فأطلقت في 1973 «مشروع النمر» من خلال إنشاء تسع محميات للنمور. وعلى مدى العقود الخمسة الماضية، زاد عدد المناطق المحمية المخصصة للنمور إلى 50 محمية موزعة على 72 ألف كيلومتر مربع. ولدى الهند 70 في المئة من أعداد النمور التي تتراوح بين 2600 و3350. وقد مثّل ارتفاع أعداد النمور الهندية خبراً ساراً على صعيد جهود المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية الهندية. فقد كشفت نتائج مسح للنمور، أُفرج عنها العام الماضي، عن أن الهند تشكّل أكثر من 70 في المئة من أعداد النمور في العالم. وأشارت القيادة الهندية إلى أن الهند حقّقت هدفها المتمثل في مضاعفة أعداد النمور قبل أربع سنوات من هدف 2022 الذي حُدد في سانت بيترسبورج عام 2010.
غير أنه يُعتقد أن أنواعاً أخرى من القطط الكبيرة والحيوانات استفادت هي أيضاً من «مشروع النمر» نظراً لإعلان مناطق متزايدة مناطق محمية. وتضم ولاية مادهيابراديش أكبر عدد من النمور (521)، كما أن لديها أكبر عدد من الفهود (3 آلاف و421). ولعل إحدى الخصائص التي تميّز الفهد هي كونه حيواناً سهل التأقلم نسبياً، ذلك أن هذه الحيوانات قادرة على العيش حتى بالقرب من المناطق الآهلة بالبشر، خلافاً للنمور التي تحتاج إلى مناطق محمية. غير أنه تبين أن هذه الخاصية مفيدة ومضرة في آنٍ واحد مع اشتداد النزاع بين الإنسان والحيوان. نزاع يحتمل أن يزداد أكثر بسبب زيادة التحضر والتوسع العمراني الذي يؤدي إلى تقلص موطن الحيوانات. وبالتالي، فإن التحديات بالنسبة للفهود أو أي قطط كبيرة أخرى لم تنتهِ بعد بكل تأكيد، وذلك لأن الفهود أو أي حيوانات مفترسة أخرى ستلجأ إلى الفرائس الأليفة، مثل الأغنام والماعز والكلاب الأليفة والدواجن، وغيرها، إذا لم تجد فرائس طبيعية. وعليه، فإن الأمر يتعلق بكل تأكيد بتحدٍّ حقيقي بالنسبة لحماة البيئة.
وكثيراً ما تتصدر التقارير حول النزاع والتداخل بين بيئات الفهود والبشر عناوينَ وسائل الإعلام في الهند، ما يشي بالاتساع المتزايد لهذه المشكلة. وفي هذا السياق، كشفت وسائل الإعلام الهندية أن رجلاً في ولاية كيرالا الجنوبية تعقّب آثار فهد لسنة كاملة قبل أن يعثر عليه ويقتله العام الماضي بعد أن قتل الحيوانُ بقرتَه التي كانت مورد رزقه الوحيد. وبالمثل، قُتل في ماهاراشترا الشهر الماضي فهدٌ آكل للبشر قَتل 12 شخصاً. هذان المثالان زادا من الحاجة إلى جهود المحافظة على البيئة التي تشمل تثقيف القرويين والمزارعين وغيرهم، بخصوص كيفية المحافظة على قطعانهم من دون الإضرار بالحيوانات المهددة بالانقراض. ووفق جمعية حماية الحياة البرية الهندية، فقد كانت هناك 455 حالة وفاة لفهود في 2019، شملت 148 حالة سببها الصيد غير المشروع والأسر. وفي عام 2020، سُجل ما مجموعه 494 حالة وفاة لفهود شملت 129 وفاة سببها الصيد غير المشروع والأسر.
أنصار حماية البيئة والموارد الطبيعية يشدّدون على الحاجة إلى التفكير والتباحث بجدية حول سبل الحفاظ على ممرات آمنة للقطط الكبيرة، مع توخي يقظة صارمة. كما أن هناك حاجة لوقف تقلص مساحات بيئتها، رغم أن ذلك صعب في بلد لديه احتياجات تنموية ضخمة. ومما لا شك فيه أن تحقيق توازن بين الاحتياجات البيئية والتنموية يمثّل تحدياً كبيراً ينبغي للبلد معالجته، غير أن هناك أولا حاجة لتوعية الناس من أجل حماية أعداد الفهود وغيرها من القطط الكبيرة.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة