.
.
.
.

رسالة البابا فرنسيس الجديدة

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

في 3 أكتوبر عام 2020، أي قبل أربعة أشهر، أطلق البابا فرنسيس من عند ضريح القديس فرنسيس الأسيزي بإيطاليا رسالةً بابويةً عامةً في الأخوة والصداقة الإنسانية عنوانها «كلنا إخوة». وهي تقع في ثمانية فصول عمادها فكرة وعاطفة المحبة والأخوة. وهي الفكرة والعاطفة التي انطلق منها القديس فرنسيس الأسيزي عندما مضى إلى مصر لمقابلة الملك الكامل الأيوبي في خضمّ الحروب الصليبية الحافلة بالكراهية والدماء. وفي نظر البابا، فإنّ القديس تغلب على صعوبات الفقر والرحلة الطويلة لأنه «نال السلام الحقيقي في داخله، وتحرر من كل رغبةٍ في الهيمنة على الآخرين، وأصبح واحداً منهم، وسعى للعيش في وئامٍ مع الجميع»، بل وفي تضامُنٍ ومحبةٍ مع سائر البشر على اختلاف الدين واللون والثقافة.
يقول البابا إنه عندما كان يكتب رسالته هذه قبل عامٍ ونيّف اندلعت جائحة كورونا، التي كشفت عن خيباتٍ ووجوهٍ هائلةٍ من سوء الفهم والتفاهم، وأظهرت الحاجة إلى المراجعة الفردية والجماعية وعلى مستوى القيادات العالمية، وهي المراجعة التي ينبغي أن تدفع باتجاه التعاون والتضامن وليس للضرورة فقط، بل بدوافع الحب والأخوة التي دفعت القديس فرنسيس للذهاب إلى مصر قديماً.
يشكّل الفصل الأول بعنوان «ظلال عالمٍ مغلق» محاولةً لإعادة تقييم عمليات التقدم الإنساني في زمن العولمة. فالإنسان تعاظمت في نظره - وبخاصةٍ القوى العظمى- إمكانيات التقدم إلى آفاقٍ غير محدودة. وفي الوقت نفسه الاتجاه لإقناع الأجيال الشابة على وجه الخصوص بالقطيعة حتى مع الماضي القريب، باستثناء النزعة الاستهلاكية. وللقطيعة سلبيتان كبيرتان: نسيان تجارب الأخطاء والسلبيات والحروب والأزمات. كل شيء ينبغي إعادة إنتاجه من الصفر. وقد أدّى ذلك إلى تجاوز إيجابيات مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتضاؤل جهود الحفاظ على الأمن الإنساني، ومكافحة الفقر والأوبئة والاختلال البيئي. وهنا، في الفصل الأول من عمله يعود البابا لتذكر تعاونه مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في وثيقة الأخوة الإنسانية بأبوظبي (2019)، وقد كان من استنتاجات الوثيقة التقدير للتقدم الإنساني الذي تحقق في هذا العصر. وفي الوقت نفسه التحذير والنقد لنزعات التفكيك والصراع والتعطش لتجاوُز إنسانية الإنسان بقصد الكسب أو العدمية الأخلاقية.
إنّ هذه الغربة التي شعر بها القديس فرنسيس، ما أفقدته الأمل في رحمة الله وعنايته، ولا في إمكانيات الإنسانية لصنع السلام والتضامن. لذا فإنّ البابا يضع في الفصل الثالث من رسالته البابوية (وهي قلب العمل) تخطيطاً لعالمٍ منفتحٍ ومتضامنٍ وبنّاء يقوم علي المحبة. وتتبلور المحبة لدى الأفراد والجماعات أو تتجلّى من خلال ثلاثة مبادئ أو قيم: الحرية والمساواة والأخوة.
وعلى هذا النحو من تفتيح القيم التي ذكرها البابا في الفصل الثالث، تتوالى الشروح والاستنتاجات لها ومنها. فالقلب منفتحٌ على العالم أجمع، وفي المجال العام ليس الخيار بين الليبرالية والشعبوية، بل في «المحبة السياسية» والإحساس بالمسؤولية. وفي المجالين الفردي والاجتماعي هناك الحوار والصداقة والمودة، ليشكّل ذلك كله مسارات التلاقي، حيث تصبح «المحبة السياسية»، ويصبح التلاقي الإنساني، مفتاحاً لهندسة السلام.
مَن الذي يقوم بذلك كله؟ البابا يشعر بأنّ الأديان عليها الواجب الأكبر، وإن لم تكن إداراتها هي الأكثر تأثيراً في العالم.
وفي الخاتمة، وبعد أكثر من مائتين وخمسين صفحة، يعود البابا للمرة الثانية في رسالته لتذكر وثيقة الأخوة الإنسانية التي أعلنها من أبوظبي مع صديقه الدكتور الشيخ الطيب، وهي الوثيقة التي تفتح من خلال أفق الأخوة والمحبة عالماً للتعاون والسلام.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.