.
.
.
.

«غوغل» و«فيسبوك» تهددان بعقاب جماعي

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

أيام بعد تحذيرنا الأسبوع الماضي من خطورة احتكارات التكنولوجيا لفضاء المعلومات على حريتي التعبير والمعرفة، تهدد مؤسسة «غوغل» بمعاقبة جماعية للشعب الأسترالي.
أتناول اليوم ما سجلته بسبب الأحداث غير العادية في أميركا، وحرية التعبير التي يجب أن تكون الهم الأول لأي صحافي ومثقف - وهي تحديات تواجه الصحافة في 2021.
أهم هذه التحديات التحدي المادي؛ فالمال كقارب النجاة في سفينة صناعة الإبداع المبحرة وسط عاصفة غير مسبوقة؛ والجبروت المالي واحتكار السوق دفعا «غوغل» (وتبعتها «فيسبوك» فوراً) لتهديد الأستراليين في سابقة خطيرة.
الطباعة، والتوزيع، ومصاريف المراسلين وأطقم الكاميرا التلفزيونية، والانتقال والإقامة، تتكلف مبالغ باهظة؛ لكن المنابر الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، جعلت المحتوى الصحافي والمنشور من كلمات أو أنغام موسيقية، الذي قد يستغرق الكاتب والباحثون والمبدعون أسابيع (وأحياناً سنوات) في دراسته وتوثيقه، تضعه «غوغل» أو «فيسبوك» في متناول الكسالى في دقائق.
الطرف الثالث، يستفيد من المعلومات وينشرها، من دون مغادرة مقعده، أو أن يدفع مليماً واحداً للناشر، أو الموسيقار، أو المؤلف، وهو ما يهدد بخراب بيت الصحافيين والفنانين، وإغلاق العديد من الصحف ودور النشر وخدمات الإذاعة والتلفزيون المستقلة.
هذا التحدي بالذات في قلب معركة الأستراليين مع «غوغل» و«فيسبوك» (وغالباً سيدعمهما كارتيل التكنولوجيا الذي كم الأفواه وحطم أقلام مؤيدي دونالد ترمب ومتحدي بروباغندا البيئة).
الحكومة الأسترالية تناقش مشروع قانون في البرلمان يلزم محركات بحث كـ«غوغل» ومنصات كـ«فيسبوك»، أن تدفع حقوق التأليف والنشر عند نقل معلومات وتقارير من مواقع الصحف ودور النشر، بغرض التوزيع. ورغم أن الحكومة الأسترالية بزعامة سكوت موريسون تريد التوصل إلى اتفاق «الكود الخاص» (ترقيم الاستخدام) بين اتحاد دور النشر ومحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن «غوغل» هددت بمنع المستخدمين الأستراليين من تفعيل محرك البحث في حال تمرير القانون.
ميل سيلفا، مديرة أعمال «غوغل» في أستراليا ونيوزيلندا، تحججت (في اللقاء التحقيقي مع لجنة الشيوخ في البرلمان الأسترالي) بأن حجم المرور في المعلومات يجعل الأمر صعباً. الملاحظ أن سيمون ميلنر، نائب الرئيس التنفيذي لـ«فيسبوك» كرر الكلام نفسه. المفارقة أن السيدة سيلفا نفسها كانت اعترفت بضرورة دفع مقابل لمواضيع من الصحف يعاد نشرها، ولكن بشكل تطوعي «كتعبير عن حسن النية». أي تعطف من أصحاب القول الفصل من منابر ومؤسسات تكنولوجيا يديرها مجموعة كانوا حتى الأمس القريب تلاميذ وليس لمعظهم خبرة تذكر في العمل الصحافي، أو عملية الإبداع من كلمات أو أنغام. والحقيقة أن ما تنقله هذه المنابر ومحركات البحث، من المنشور من كد وعرق الآخرين (ناهيك بالموسيقى والأغاني والدراما والصور) مجاناً، هو المصدر الأساسي لثرواتهم، فزيادة عدد المستخدمين دفعت وكالات الإعلان إلى منابرهم، ما قلص من دخل الإعلان في الصحف.
أنا كصحافي ومؤلف حر معظم 52 عاماً من عملي، يأتي جزء من دخلي من مصدرين أعرضهما هنا كمقياس لتأثير مؤسسات كـ«غوغل» و«فيسبوك» على النشر وصناعة الإبداع. الأول هو «مقابل الاستعارة من المكتبات العامة»، وقروش قليلة تدفعها المكتبة العامة لجمعية الكتّاب البريطانيين عند استعارة خارجية لكتاب، الجمعية بدورها تدفعها في نهاية العام لكل مؤلف «استعيرت كتبه» مع استقطاع 20 في المائة منها. المصدر الثاني «ترخيص للنقل من الكتب والدراسات»، أيضاً بضعة قروش مقابل ما يتم تصويره (بالفوتوكوبي) من صفحات كتاب، أو من دراسات ومحاضرات منشورة، لما يزيد على 120 كلمة (120 كلمة مجاناً)، يدفعها اتحاد المؤلفين البريطانيين بالترتيب والاستقطاع نفسيهما كحال جمعية الكتّاب.
اليوم الغالبية لا تستعير الكتب وتقرأ «أونلاين»، والباحثون لا يستخدمون «فوتوكوبي» يسجل الأعداد بل يصورون بالتليفون الذكي.
فقط بعض المواقع - بتقارير بصيغة بي دي إف (PDF) فقط يمكنها المتابعة كأنه فوتوكوبي (بعض كتب كينديل تستخدم هذه النظام)، لكن إذا لم يكن ضمن اتفاقية كنظام كالقانون الأسترالي مثلاً، لا يمكن لاتحاد المؤلفين البريطانيين جمع القروش القليلة كحق المؤلف.
وقد راجعت ملفات حسابي الضرائبي بشأن مصدري الدخل أعلاه في الفترة ما بين 1993 (عام انتشار الإنترنت) و2020. عدد كتبي المنشورة بالإنجليزية حتى 2020 ضعف ما كان منشوراً في 1993، ناهيك بما ترجم منها إلى لغات أخرى. كما أن عدد الدراسات المطولة التي نشرتها، والمحاضرات التي ألقيتها في مؤتمرات وخزانات تفكير حول العالم، لا بد أن تكون قد تضاعفت عدة مرات خلال 27 عاماً؛ لكني أضع الأرقام المادية أمام القارئ كنموذج للتحدي الذي نواجهه.
في عام 2003 انخفض دخلي من المصدرين إلى ثلثي ما كان عليه في 1993؛ بينما في 2013 انخفض إلى نصف الدخل في 2003، أما في الإقرار الضرائبي الذي قدمه المحاسب هذا الأسبوع لمصلحة الضرائب لعام 2019 - 2020، انخفض الدخل من استعارة الكتب والنقل من مؤلفاتي إلى ربع ما كان عليه في 2013.
ماذا لو بائع أو معلم مدرسي اكتشف أن 1000 جنيه من دخله في 1993 تقلصت إلى 83 جنيهاً بعد 27 عاماً مقابل زيادة ثلاثة أو خمسة أضعاف في البضاعة أو الخدمة التي يقدمها لزبائنه أو تلاميذه؟
ولهذا أعتبر أن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الصحافة وعالم النشر والمؤلفين والمبدعبن من مصورين وموسيقيين وفنانين بسبب احتكارات كـ«غوغل» و«فيسبوك» لفضاء التعبير.
كل التحديات الأخرى التي تتعلق بفقدان المصداقية وما يسميه البعض «الأخبار الزائفة» وعدم ثقة الناس، والأهم بالطبع حرية الصحافة والتعبير والنشر، كدعامة لا غنى عنها للديمقراطية؛ كل هذه التحديات يمكن مواجهتها إذا تمكنت الصحافة وصناعة الإبداع والتعبير والنشر من البقاء والوقوف على قدميها، أمام تحديات مؤسسات الاحتكار.
والتهديد هذا العام، وفي المستقبل المنظور، أكثر خطورة من أي وقت مضى، فمع إغلاق الأعمال وحجْر التنقل بسبب الوباء العالمي (كوفيد - 19)، تناقصت مبيعات الصحف؛ وركاب المواصلات العامة (الخالية حالياً) من محدودي الدخل الذين كانوا أكثر المستعيرين للكتب والدوريات من المكتبات العامة المجانية.
دور النشر والصحف، وأمثالي من المبدعين والمؤلفين لا نطالب بإحسان أو دعم من الدولة؛ فقط حقوقنا مقابل العمل والجهد كأي عامل أو طبيب أو حتى غرسون في مقهى، الحقوق التي ترفض احتكارات كـ«غوغل» و«فيسبوك» الاعتراف بها.

*نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.