.
.
.
.

الكويت ودستورها.. أزمات متواصلة

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

جاء الدستور من تصور مستقبلي، وضعه الشيخ عبدالله السالم، أمير الكويت، وراعي الاستقلال، كصيغة حكم ترتكز على المشاركة بين النظام الشرعي التاريخي وبين شعب الكويت، واختار أن تكون صيغة الشراكة متجسدة في دستور مستوحى من تراث الكويت ومن التجارب الإنسانية التي مرت بها شعوب مختلفة تنوعت في تطورها السياسي، وتقبل الشيخ عبدالله من يختارهم شعب الكويت في انتخابات يأتي منها المجلس التأسيسي الذي سيبحث مسودة دستور رسمه خبراء من مصر وبإشراف كويتي، لكي تتلاءم الحصيلة مع تراث الكويت وتقاليدها وقواعد السلوك فيها، وقد ناقشت لجنة التحضير مسودة الدستور، التي شهدت مداولاتها الكثير من السخونة والتباين، كان فيها من يحرص على تحصين حقوقه التاريخية، ويبعد من يقترب منها، وكان فيها من يريد استحضار الحق الشعبي في الرأي وفي آلية التعبير، وهناك من يسعى للخروج بشيء يرضي كل الأطراف، كان الشيخ سعد واعياً لدوره، ومثله كان الآخرون، ومع كل ذلك خرج الدستور حاملاً حقوقاً للنواب غليظة في آلياتها، ولا تتناغم مع الإيقاع الكويتي السياسي الهادئ. أتحدث عن الفصل الخاص بالاستجوابات، والمنصة والسخاء في الحقوق للنواب، في إعطاء شخص واحد حق المساءلة، التي استغلها كثيرون للشوشرة الصاخبة، وأدخلوا الكويت في صورة الاهتزاز. ومع الأسف، لم يتم التعرف على دور المساءلات في الانزلاق السياسي إلا بعد مرور الكويت بآلام التجارب، وصدرت موافقة أمير الكويت الشيخ عبدالله في نوفمبر 1962، ومنها انطلقت الكويت في المسيرة مستوحية بنود الدستور. ومع التجارب خلال الستينيات والسبعينيات، طغت العقبات على مسيرة التطوير، لأن مفهوم الشراكة الذي شكل منبع التجربة تعثر أمام آليات المواجهة، التي كانت مفرداتها غير مألوفة في خشونتها، مستفيدة من باب المحاسبة والاستجواب الذي شهد تكاثر اللجوء إليه وفق الترتيبات التي منحها الدستور لنائب واحد فقط ليختار من بين الوزراء واحداً منهم في اتهام بتعطيل مصالح المواطنين وتأخير برامج الإصلاح، وينضم إليه الرفقاء من القبيلة أو من ذات الفئة أو من الخلان، ومن ذلك يتصاعد الشحن وتنفجر المواجهة، باستقالة الوزير أو الوزارة كلها، وتجد كل الكويت نفسها في فرن التوتر والحيرة. لا أعرف حكومة في عالم اليوم تواجه البرلمان من دون أغلبية، فلا توجد حماية برلمانية للحكومة التي ليس لها حزب، ولا توجد حصانة تحميها، ولا أغلبية تدافع عنها، وهي تجربة كويتية تتألق وتسطع في محيط نواياها الحسنة، ووفق مفهوم الشراكة والمصير المترابط، لكن التجربة لا تفلح عندما ينحسر وهج هذه المفاهيم كما هو واقع الآن. وربما كانت تجربة السنوات الأولى أفضل من توابعها بسبب مجيء النواب الأوائل من بيئة الكويت في عهد الشيخ عبدالله، عندما كانت حياة الجميع متداخلة، وساحة التسامح أوسع، والحساسية الوطنية أعمق. تبدل الوضع تماماً وتحولت الممارسة النيابية إلى بورصة مصالح فيها حصيلة الأرباح وفيها ضمان البعد عن الخسائر، مع تلاشي اللمعان عن المشاركة وترسيخ فصول المواجهة، والإصرار النيابي على الاحتكام إلى منصة الاستجوابات، مع انخفاض قدرة الحكومة على تمرير مشاريعها وعجزها عن العبور بالوطن إلى حقول التنمية، فكل شيء أصبح يخضع لمدى استجابة الحكومة لشروط النواب، وهنا أستذكر أن النائب مبارك الحجرف كان أكثر وضوحاً من زملائه في التلويح بقائمة الشروط، وطرح حصيلة الرفض لشروطه مع تحديد مكافأة القبول لها، وقال بكل وضوح إن لديه استحقاقات تشريعية كأولوية ضرورية للعمل المستقبلي، يأتي في مقدمتها: قرار العفو السياسي الشامل عن قضية دخول المجلس، ثم قانون الجرائم الإلكترونية، وبسط سلطة القضاء على مشاكل الجنسية، وإعادة النظر في الصوت الواحد، ثم حماية جيب المواطن. وإنصافاً للنائب مبارك الحجرف، لم يورط سمو رئيس الوزراء في مطب الحيرة والتخمين في أولوياته، وإنما ذكرها بلا مكياج وبلا تجميلات، وترك الفرصة للرئيس ليتفقد الأجواء في كيفية تحقيق الشروط أو تجاوزها، أو يمكن له أن يختار أسلوب الخطوة الواحدة والتدرج، فهنا لا يوجد الاستنجاد بمفهوم المشاركة التاريخية كما أرادها الشيخ عبدالله السالم، فهذا فصل انتهى وحلت بالكويت أجيال لا يمكن أن تستنسخ الماضي، مشاربها مختلفة وطموحاتها مغايرة ومفرداتها كلها مستجدات، بعضها مهضوم وأغلبها شرس، كما عاشت الكويت طوفان الغزو، الذي اختفت أعاصيره من حياتنا، لكن إسقاطاته متواجدة في الباطن الكويتي.. وحصيلة الموقف الذي هندسه النائب الحجرف معروفة، فلن يقبل رئيس الوزراء التسلط على المقام السيادي، ورأيي الشخصي، رحمة بالكويت وأهلها الطيبين، لا ضرورة لمساءلة رئيس الوزراء عبر مشهد المنصة وترتيباتها المسرحية، فالأفضل لنا أن يسعى النائب الحجرف لكي تصدر من المعارضة رسالة موقعة من 30 نائباً بالاعتراض على رئيس الوزراء وعدم التعاون معه إن لم يستجب للشروط، وذلك احتراماً للأجواء الكويتية التي فقدت الثقة في أن تصل الكويت إلى طريق الإصلاح رغم الصيحات الموجهة من مختلف مراكز ومؤسسات التنمية العالمية، محذرة الكويت من مخاطر الاستمرار في النهج الطاغي، والضغط عليها بضرورة التفكير في المعالجة العلمية المعروفة والمتفق عليها، في تنويع منابع الدخل وتقليص المصروفات وتحسين الإدارة، وإعادة هيكلة الجهاز الوظيفي والإصرار على فاعلية الحوكمة. فمن دون تحضيرات ومن دون بروفات، وضعت السلطة التنفيذية أمام ضرورة تبني نهج للحلول من خارج الصندوق المألوف، وبخيال متجدد، وبمقاربة أكثر حيوية.. أنا من الذين رددوا كثيراً بأن الاستجوابات في صيغة الدستور الحالية لا تستقيم مع نهج التآلف والمشاركة، ولا مع الاعتبارات السياسية والاجتماعية التي مارستها الكويت منذ ولادتها، وأجد فيها التوحش المستورد والمزروع في بيئة كويتية نبضها مختلف، تملك خصوصية في قواعد عملها، تستنكر الصخب العدائي المتسلط وتلتزم بالعقد الاجتماعي الكويتي الشامل.. وأفضل مخرج للحاضر هو الرسائل العلنية من النواب، تحدد اسم الوزير الذي فقد ثقة البرلمان، على شرط أن يوقعها ثلاثون نائباً، من دون بيانات تصغير فيها عصبية وتهديدات وغمزات للمقام وبلا ضرورة للتحفيزات القبلية. بصراحة البديل عن الوضع الدستوري المتخشب هو إعادة النظر في بعض المواد وطرح تعديلاتها للاستفتاء، أو توقف العمل الدستوري واستخراج دستور جديد مختصر، يتماثل مع بيئة الكويت، الشرعية والشعبية. لا يوجد قبول كويتي لتجارب الآخرين، في برلمانات فيها تداول السلطة لحزب الأغلبية، نحن جميعاً في حالة بحث صامت عن الشيء اللائق بالكويت، والدستور الحالي ناشف تنقصه المرونة، والبحث عن الجديد لا بد أن ينسجم مع الممكن، فالواضح أن مفهوم الشراكة الذي أراده الشيخ عبدالله السالم جاء بالتنسيق مع النخبة المقربة، وتلتها موجة الكويتيين المتفاعلين والمتفهمين لرقة عظام الدولة الكويتية، لكن كل ذلك طواه الزمن، ونحن أمام تجمعات لم تكن مشاركة بقوة في عهد البناء النيابي وتواجدت الآن بطاقتها وحيويتها لتثبيت أعمدة النفوذ والسيطرة. جاءت انتخابات الخامس من ديسمبر لتضع الكويت أمام خيارات، إما غياب الاستقرار السياسي وجمود التنمية في وضعنا الحالي، وإما التفكير لتجاوز قذائف الاستجوابات عبر ما سطرته في مطلع المقال، أو البحث عن فاعلية جديدة من خلال إرادة الشعب عبر الاستفتاء.. حل علينا صوت التاريخ.. ولا مكان لإسكاته..

*نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.