.
.
.
.

عرض إيراني "باليستي" للحوار مع السعودية

موناليزا فريحة

نشر في: آخر تحديث:

غالباً ما أرفقت إيران دعواتها العلنية للحوار مع دول الخليج برسائل صاروخية مباشرة أو بالواسطة. فعلت ذلك مرات عدة في الماضي، ولعل آخرها كان عام 2018، عندما اقتراح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف توقيع ميثاق عدم اعتداء مع دول الخليج، بينما كان "الحرس الثوري" يعترض ناقلات نفط قبالة سواحل الإمارات، والحوثيون ينفذون هجمات متكررة بطائرات درونز على مناطق في السعودية.

في حينه، أعادت فكرة ظريف إلى الأذهان اتفاقاً مماثلاً اقترحه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على الملك فهد عام 1989 يقضي أيضاً بترسيم الحدود بين العراق والمملكة، بعدما بقي هذا الملف معلقاً لسنوات طويلة. في تلك الفترة، كانت العلاقات بين المملكة وبغداد مستقرة، لذا أثار الاقتراح استغراب العاهل السعودي الذي قرر مع ذلك مجاراة صدام. وبعد ذلك بأشهر، غزت القوات العراقية الكويت، وتبيّن أن النظام العراقي كان يعتقد أن الاتفاق سيضطر السعودية إلى اتخاذ موقف محايد من عملية الغزو.

تعود هذه الحادثة إلى الأذهان مجدداً مع إبداء ظريف نفسه ومعه مسؤولون إيرانيون هذا الأسبوع استعدادهم لحوار بناء مع دول الجوار وخصّوا بالذكر دول الخليج. وهذه المرة أيضاً، ترافقت دعوتهم مع تكثيف للاعتداءات الصاروخية "الباليستية" على السعودية والتي يبدو أنها وسعت منصاتها من اليمن لتشمل العراق، مع اعلان ميليشيا جديدة مقرها العراق تدعى "ألوية الوعد الحق" أن الهجوم نفّذ "بأيدي عراقيين". وتوعدت قناة مقربة من الفصائل الموالية لإيران بتحويل السعودية "ميداناً للصواريخ والدرونز"، وهدفاً لـ"المقاومة" من الشمال والجنوب.

إذا كان ادعاء "ألوية الوعد الحق" غير المعروفة والتي يعتقد أنها أحد فروع "كتاب حزب الله"، صحيحاً، فهذا يعني أن أذرع إيران في العراق التي استهدفت مراراً المنطقة الخضراء حيث مقر السفارة الأميركية، وقوافل عسكرية للتحالف الدولي في العراق، وسعت دائرة استهدافاتها لتشمل المملكة، في محاولة لزيادة الضغط على الإدارة الأميركية الجديدة للتخلي عن سياسات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

تدرك واشنطن ومعها الرياض طبيعة العلاقة التي تربط طهران بالميلشيات العراقية والتي تفوق أهمية تلك التي تربطها بجماعة "أنصار الله" الحوثية التي تعتبر أيضاً أداة بيد طهران. ومع تعثر الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لحصر السلاح في يد الدولة وعدم تجاوب طهران مع محاولاته لضبط الميليشيات، يبقى العراق ورقة ضغط أساسية في مسعى الجمهورية الإسلامية لتعزيز موقعها في أية مفاوضات مقبلة مع إدارة بايدن. وقد يكتسب العراق أهمية اضافية لطهران، إذا مضت الإدارة الأميركية الجديدة في تعهداتها إنهاء الحرب اليمنية وبالتالي قطع خط امداداتها للحوثيين.

عملياً، تعهدت إدارة بايدن مواصلة التزامها أمن الخليج. ولعل زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كيث ماكينزي للرياض في خضم التوتر مع ايران مؤشر إضافي لذلك. كذلك، نشرت صحيفة "هآرتس" قبل يومين أن الولايات المتحدة ستقوم قريباً بنشر بطاريات منظومة "القبة الحديدية" الدفاعية التي اشترتها من إسرائيل، في منطقة الخليج.

كذلك، يخطط الجيش الأميركي لإقامة قواعد عسكرية جديدة على البحر الأحمر في السعودية، مع مطارين عسكريين إضافيين. وبدأت عملية التقييم لإنشاء هذه القواعد قبل سنة، في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية في أيلول (سبتمبر) 2019، ولكن إعلانها الآن يؤكد أن الادارة الجديدة ماضية بها.

كان مفترضاً أن تكون دعوة إيرانية للحوار مع دول الخليج مختلفة هذه المرة، في ظل إدارة أميركية جديدة قد تكون أكثر انفتاحاً على النظام في طهران، ولكن سلوك طهران يثبت مجدداً أن عروضها للحوار ليست إلا واجهة لمزيد من السلوك العدائي حيال دول المنطقة والعالم.

*نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.