.
.
.
.

أم كلثوم أخرى!

صفية مصطفى أمين

نشر في: آخر تحديث:

الأيام مرت سريعا منذ رحلت عن دنيانا، أم كلثوم فى مثل هذه الأيام من عام 1973! كان لى الحظ أن ألتقى بهذه السيدة العظيمة عدة مرات. أتذكر المرة الأولى عندما دعتها والدتى هى وزوجها الدكتور الحفناوى، لتناول العشاء فى بيتنا بالزمالك. لا أذكر تفاصيل اللقاء، لكن كل ما أذكره أنها سألت شقيقتى عن صحة والدى «مصطفى أمين» الذى كان يقضى سنوات فى محبسه بسبب تهمة ظالمة وملفقة. أما اللقاء الأخير معها، فأتذكره بوضوح كأنه حدث بالأمس: صحبتنى وشقيقتى إلى بيت الرئيس السادات بالجيزة عام 1971. التقينا هناك بالسيدة جيهان السادات التى أحسنت استقبالنا وضيافتنا. ووعدتنا أن يفرج الرئيس السادات عن والدى بعد الحرب مباشرة. فبكيت وشقيقتى لأننا لم نصدقها، فقد كنا فى تلك الفترة لا نصدق أنه سيحارب! وحدث العبور وأوفى السادات بوعده.. فأفرج عن والدى «مصطفى أمين» بعفو شامل، أسقط عنه العقوبة، ولم يكن إفراجا صحيا كما أشاع البعض!

نعود إلى الست أم كلثوم الفلاحة الفقيرة، المعدمة، التى عجز والدها أن يدفع لها مصاريف الكتاب، واستطاعت، بكدها وصبرها، أن تنشر اللغة العربية الفصحى عندما غنت قصائد شوقى الخالدة، واستطاعت أن تعلم نفسها وتجيد لغة أجنبية، وتصبح من أكثر السيدات ثقافة، واطلاعا.

هذه الفنانة العظيمة سافرت إلى البلاد العربية لتدعم المجهود الحربى، وهى مريضة.. جابت الوطن العربى كافة. أقامت حفلاتها فى تونس، والمغرب، وليبيا، والبحرين، والعراق.. وجمعت كميات كبيرة من المصوغات الذهبية من العائلات المالكة، ومن الكويت تحديدا 60 كيلوجراما من الذهب، قدمتها للمجهود الحربى. لم تكتف بذلك، بل أحيّت فى باريس حفلتيها الشهيرتين، وسقطت مغشيا عليها فى الحفلة الثانية! كانت حصيلة حفلاتها حوالى 3 ملايين دولار، تنازلت عنهم لدعم الجيش المصرى، مما دفع الكثير من الأدباء والفنانين والمواطنين إلى التبرع بأموالهم ومصوغاتهم ومجهودهم لإعادة بناء الجيش المصرى.

قيل عن أم كلثوم إنها بخيلة شحيحة، لكن الواقع أنها كانت تدفع سرا مرتبات شهرية لعشرات الأسر. كم من مهندسين، وأطباء، قضاة، ساعدتهم حتى وصلوا إلى أعلى المناصب. وعندما سألها والدى فى يوم من الأيام عن سبب رفضها أن تقرض صديقا مشتركا المبلغ الذى يحتاجه. أجابت: مصلحتى أن يقول الناس عنى بخيلة، ليبتعد عنى الأفاقون والنصابون.. وصديقنا خسر أمس على مائدة القمار مبلغا كبيرا، فأردت أن أؤدبه ولم أقرضه، ليعرف ذل لعب القمار!

عرف الناس أم كلثوم، ونحن عرفنا أم كلثوم أخرى، عرفوا الأسطورة وعرفنا الإنسانة!

*نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.