أحزاب كلّفهم القدر بتدمير العراق

أثير ناظم الجاسور
أثير ناظم الجاسور
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

بعد أن التقى نيقولا ميكيافيللي بالبابا يوليوس الثاني بعث برسالة لأحد مساعديه يصف بها شخصية البابا حيث قال «إن البابا الجديد على ما يبدو قد كلفه القدر بتدمير العالم» جاء هذا بعد أن أعلن البابا الحرب على فرنسا والذي عده مكيافيللي فعلاً جنونياً، قدر نرى أن هذا المفكر يرى أن التوجّه صوب تحقيق إرادات خارج منطق العقل والمنطق من واجبها أن تعلن جنون واستهتار صاحبها وبالمقابل تكلف الإنسان حياته لما تحمله من تبعات تدميرية سواء على الإنسان أو الدولة.

لقد تم التركيز على هذه الجملة من رسالة ميكيافيللي على أمل القدرة على أن نصف ونفسر ما يحمله الشأن العراقي من أحداث وتبعات أساساً هي من فعل أحزابه الحاكمة التي لطالما عملت على أن تكون في زاوية المنادين بالظلم والاضطهاد في مراحل طويلة من عمر معارضتهم لسياسات النظام السابق وما تحمله الأخيرة من قسوة وعنف وتغييب وتكميم للأفواه، خصوصاً وهم يعدون أنفسهم أولى من غيرهم بان يحلوا محل ذلك النظام الذي لم يعد يصلح لحكم بلد مثل العراق بعد أن جر العراق لحروب وأزمات إقليمية ودولية انهكت الدولة والمواطن، بالمحصلة اعتقدت هذه الأحزاب أو على أقل تقدير من الممكن أن تكون من خلال هذه التجربة الطويلة سواء تواجدهم في منافيهم في أوروبا أو عملهم كمعارضة أنهم باتوا على دراية بشأن العراق وطريقة إدارته لاسيما وأن من ساندهم دولة كبرى كالولايات المتحدة الاميركية التي تعتمد في سياستها على منظومة متكاملة من المؤسسات الثابتة في أن يعملوا على التطوير والتنمية، بالتالي هناك عدة تجارب كان من الممكن أن تجعل منهم قادرون على إصلاح ما تم إعطابه في فترات الحصار والحروب التي خاضها العراق لكن النتيجة جاءت بغير ما نأمل.

القضية الأولى أن أغلب الشخصيات المعارضة أو التي كانت تعد نفسها معارضة عاشت في أوروبا ولمست التجربة الأوروبية ومراحل تطورها والعلاقة بين السلطة والتكوينات المجتمعية هناك وعملية التفاعل التي تربطهم، هذا بحد ذاته كان دافعاً لا نقل إلى نقل التجربة بحذافيرها لكن هناك تجربة مؤسساتية تساعدهم على العمل وفق سياقات علمية منطقية تعمل على إعطاء الإنسان العراقي الثقة بالسلطة الحاكمة بعد أن فقدها لسنوات طوال، القضية الثانية هو التلاصق والتلاحم والاعتماد الكلي على قوة وسيطرة الولايات المتحدة الاميركية على اعتبارها هي صاحبة الفضل أولاً على توليهم حكم العراق وثانياً كان من الممكن الاستفادة من تجربتهم في ترتيب سلسلة المراجع المؤسسية التي ذكرناها بالإضافة إلى تجربة التنافس الحزبي التي بالنهاية تصب في مصلحة الدولة، القضية الثالثة وهي الأهم هو الإحساس بالمسؤولية تجاه المواطن والدولة وفقدان هذا الشعور جعل من تجربة النظام السياسي بعد العام 2003 في غاية الصعوبة بل إذا ما ركزنا أكثر نجدها من أفشل التجارب منذ تأسيس الدولة، فلا تقتصر تجربة هذه الأحزاب والشخصيات على أوروبا بل هناك من كان منفاه إيران وفي هذه الدولة يمتلك الجميع ذلك الشعور بالمسؤولية والحفاظ على الدولة حتى وإن كان هذا على حساب دول وشعوب العالم، بالإضافة إلى أنهم يمتلكون سلسلة مراجع مؤسسية تساعدهم على ترصين العمل السياسي.

لقد افتقرت الطبقة الحزبية الحاكمة للعراق لفهم السياسة وكيفية توظيف الأحداث سواء بقصد أم من غير قصد بعد أن تم إيهامهم إنهم مختارون من قبل الشعب من خلال التصويت لصالحهم في الانتخابات، متناسين أن العملية الانتخابية التي حصلت في العراق باتت موضوعاً شكلياً لأن العملية السياسية برمتها خاضعة للمحاصصة ونظام الحصص، بالتالي فإنها اثبتت عدم قدرتها على تكييف قراراتها وتوجهاتها مع وضعها الحالي كأحزاب سلطة وليس معارضة، فهذه الطبقة لم تكترث للسياسة لا علماً ولا مجال للتطبيق الواقعي بقدر ما اهتمت بالتحيز والميول وتنفيذ التوجيهات التي بالضرورة كانت لا تتماشى لا مع المصلحة الوطنية ولا حتى مع المصالح إذا ما اعتبرناها ضيقة التي تخص المواطن، بل راحت أبعد من ذلك عندما أصبحت تتبنى خطابات سياسية غير متوازنة بعد أن تم تغييب العقل من خلال بناء سلطات خارج إطار الدولة الرسمية مما ساعد على وجود اختلالات كبيرة في شكل النظام وعلاقته مع مواطنيه الذين ما إن خرجوا من تجربة النظام السابق وحالات التضييق حتى دخلوا في مرحلة أخرى لا تختلف في قسوتها فيما يخص حرية التعبير والعمل على فلسفة العقل والحوار، فقد وجد المواطن كل الأبواب موصده حتى بعد أن تعالت الأصوات لأحياء الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، فقد بقي أسير المعتقد والتوجه لهذه الطائفة وذلك الدين وتلك القومية التي تعمل في احسن حالاتها على تغييب كل ما له علاقة بمنطق العقل لتحوله إلى كائن مطيع لا يجرؤ على رسم خارطة صحيحة لحياته، ولا زال يلعب دور الوقود الذي يحترق بين حرب هنا وصراع هناك.

لم يكن لهذه الأحزاب منجزاً تشكر عليه طيلة هذه السنوات وهي تحاول أن تغير من شكل توجهات دولة بحجم العراق وتتلاعب بتكويناته الاجتماعية وتدفع بهم صوب اللامعقول في التعامل، أما مؤسساته فهي الأخرى تعاني من اضطرابات وشلل في قراراتها التي باتت ترهق المواطن فلا مؤسسات تعليمية ولا صحية ولا خدمية ولا أساساً لحياة كريمة أو اقل من ذلك، وكل فعل اجتماعي يواجه أو يعترض على هذا التقصير والفشل في إدارة الدولة يواجه بعنف خطير لا يضاهيه عنف بل الأكثر من ذلك مارست هذه الأحزاب سياسة التخوين تجاه مواطنيها سواء الذين من جلدتها أم من غيرهم، فالدولة اليوم في حروب مستمرة سواء ضد الجماعات الإرهابية التي تزهق كل يوم حياة المواطنين سواء المدنيين او العسكر أو حروباً بالنيابة في هذه النقطة أو تلك، حتى بات المواطن يشعر بأن هذه الأحزاب والتيارات تعمل بشكل جدي على أن تكون الدولة أضعف مما تبدو عليه لا بل تعمل على تغييبها بالإضافة إلى عدم تقديم أي خدمات لصالح لمواطن، فبعد أن كان العراقي يحلم بفجر جديد يزيح عنه ظلمة الماضي ومعاناته باتت كل أيامه أزمات واضطرابات وفقدان للحياة والكرامة، فأي قدر يعيشه العراقي في ظل أحزاب باتت هي قدره السيئ.

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.