الإبداع بعد 25 يناير

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لقد مر عقد كامل على مصر منذ اندلعت الانتفاضة فى يناير 2011؛ وفى هذا العقد جرت تطورات كثيرة كان إيقاعها سريعًا وحادًا بما لا يُقارن بثلاثة عقود من الخمول والركود، إذ وقعت أحداث دراماتيكية، وزالت «أمجاد»، وبُنيت «شواهد»، واندلعت صراعات على سير وتواريخ ومُسميات.

تلك فترة خصبة وثرية وممتدة بما يكفى لكى تصنع إبداعًا، أو هذا على الأقل ما كنا علمناه واستقر فى إدراكنا عن فترات التحولات الضخمة والهبات الشعبية والتغيرات الاجتماعية والسياسية المصاحبة لها واللاحقة عليها.

لكن السنوات مرت وتمر، بينما الإبداع لا يواكب التطورات الحادة، وهو ينقطع أو ينزوى، وعندما يبرز يقتبس من الماضى أو يحاكيه ويتقوت عليه، وعندما ينزع للفرادة، يبدو خاليًا إلا من زعقة الدعاية وعفوية الهتاف.

عشية الاستفتاء على الدستور فى 2014، أذاعت قنوات فضائية عديدة شريطًا ترويجيًا للمخرجة المبدعة ساندرا نشأت؛ وهو الشريط الذى سعى إلى استقصاء آراء مصريين فى محافظات مختلفة، عبر إيقاع رشيق وجذاب، راعت خلاله المخرجة أن تستهل زيارة أى محافظة بمقطع من أغنية لأحد أبنائها المعروفين.

على أى حال، فقد أعادت المخرجة نشأت مقطعًا من أغنية لمطرب شعبى راحل اسمه محمد طه، إلى الحياة من جديد، حين وصلت إلى المحافظة التى ينتمى إليها هذا المطرب، الذى ربما لا تعرفه الأجيال الجديدة ولم تسمع عنه. المقطع يقول ببساطة وتلقائية وإحساس فطرى رائع: «مصر جميلة.. مصر جميلة.. خليك فاكر مصر جميلة». لم يكد قطاع مؤثر من المصريين يسمع هذا المقطع حتى راح يردده ويسمعه ويستعيده مرات ومرات. القنوات الفضائية، والإذاعات راحت تبحث عن الأغنية وتذيعها، وبعض شركات الهواتف المحمولة باتت تعرضها كـ «نغمة هاتف» مدفوعة الثمن. سنكون فى حاجة لتحليل الأسباب التى أدت إلى وجود مثل ذلك الشعور بالحنين إلى ماض محدد، فى وقت تكتب فيه مصر تاريخًا جديدًا.

وسنكون فى حاجة إلى معرفة الأسباب التى جعلت من «فتيات التيك توك» الأكثر طلبًا وبحثًا واهتمامًا لدى المصريين أخيرًا، بينما يحظى مطربو «المهرجان» بالمجد والشهرة، ويستمتعون بحصد الأموال الضخمة، فى العقد الذى شهد تبلور حركة مطلبية ملحة رفعت شعارات مثل «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».

لماذا اندثر الشعر الجيد، وتراجعت الرواية، وتعقدت آليات صناعة الفيلم، وهُجر المسرح، وتشوه «الجرافيتى» الذى كان واعدًا، وتعطل إبداع الموسيقى، واستسلمت الساحات الفنية للإنتاج «الوظيفى» قصير العمر وطارئ التأثير؟.

ربما يلقى الاستقطاب السياسى بظلال قاتمة على المشهد الإبداعى؛ فيحول الإبداع إلى وظيفة لنصرة موقف أو طرف سياسى، ولا يحاكمه إلا من خلال قدرته على الاصطفاف «مع أو ضد». فى فترة زمنية محدودة نسبيًا تحول مصريون من فكرة إجهاض التوريث، إلى إصلاح نظام مبارك، وصولًا إلى إسقاطه، قبل أن يأملوا فى «دولة ديمقراطية حداثية»، تليق بـ «ثورة مجيدة مبهرة»، وهى «الثورة» التى واجهوا بعدها حكمًا فاشيًا دينيًا خائبًا ومستبدًا، قاموا لاحقًا بإطاحته بكلفة عالية من رصيد السلم الأهلى، قبل أن يعودوا إلى «مفهوم الأمن والاستقرار»، ويضطروا إلى المقارنة بين عوائده وتكاليفه من جانب وبين «مخاطر انهيار الدولة» من جانب آخر. لقد حدث كل ذلك، بينما لم تؤد التغيرات السياسية المتلاحقة والحادة إلى شكل من أشكال التغيير الاجتماعى الذى يدفع الإبداع ويعززه.

ما زالت البنية الاجتماعية المصرية على النحو الذى كانت عليه تحت حكم مبارك. ينسحب هذا أيضًا على بنى الثقافة والتعليم والتنشئة، كما ينسحب على علاقات الإنتاج. الفنون والآداب التى شكلت حالات إبداعية فريدة فى تاريخ الشعوب كانت تأتى عادة فى أعقاب تحولات اجتماعية كبيرة، مستندة إلى تغيرات سياسية واقتصادية عميقة، وهى مسألة لم تحدث فى مصر إلى الآن.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.