الدولة المنافقة

سالم روضان الموسوي
سالم روضان الموسوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

إن مفهوم الدولة على وفق ما عرفه فقهاء القانون الدستوري بأنها (بأنها جماعة مستقلة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة على أرض معينة، بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة)، ومن هذا التعريف نجد إن من يدير الدولة هي الطبقة الحاكمة،


وهذه الطبقة هي من تمثل الدولة أمام الشعب لأن المادة (47) من القانون المدني العراقي رقم40 سنة 1951 المعدل قد اعتبرت الدولة من الأشخاص المعنوية ولها من يمثلها ، والدولة العراقية وعلى وفق ما وصفها الدستور العراقي في المادة (1) بأنها (دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ(برلمان) ديمقراطيٌ) ويتم إدارتها عبر ثلاث سلطات اتحادية (التشريعية ، التنفيذية والقضائية) على وفق أحكام المادة (47) فضلاً عن إقليم كردستان القائم حالياً
وهذه السلطات لها من يعبر عنها وهم رؤساؤها وأعضاوها والعاملون فيها، والذين منحوا صلاحيات التحكم برقاب المواطنين فهم من يحدد مقدار ما يجب أن يحصل الفرد عليه من واردات الدولة وهم من يسلب المواطن أمواله بعنوان استقطاع وضرائب ومنهم من يحكم بموت الإنسان وتقييد حريته ومنهم من يقمعه برعاية القانون وغيرها من الأمور السائدة الآن، وحيث إن هؤلاء (أعضاء الطبقة الحاكمة) ملزمون بحكم الدستور بان يوفوا بالتزامات الدولة تجاه المواطن التي وردت في الدستور وأصبحت حقوقاً دستورية للمواطن تجاه التزامات الدولة ومنها على سبيل المثال التزام الدولة بمحاربة الإرهاب بكل أشكاله الوارد في المادة (7/ثانياً) من الدستور، والتزامها بتكافؤ الفرص الوارد في المادة (16) من الدستور، والتزامها بالإصلاح الاقتصادي الوارد في المادة (25) من الدستور، وتشجيع الاستثمار في مختلف القطاعات الوارد في المادة ( 26) من الدستور، والتزامها بحماية الأسرة والفرد وتوفير الضمان الاجتماعي وحياة عيش كريمة للمواطن الواردة في المادة (30) من الدستور، والتزامها برعاية المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة الوارد في المادة (32) من الدستور، والتزامها بتوفير التعليم للمواطن الوارد في المادة (34) من الدستور والتزامها بحرية المواطن وعدم قمعه الواردة في المواد (37، 38) من الدستور، والتزامها بتوفير المحاكمة العادلة للمواطن وضمان استقلال القضاء وتوفير وسائل الدفاع عن المتهم على وفق ما ورد في المادة (19) من الدستور، والتزامها بحماية الأموال العامة والحفاظ عليها وإدارتها الوارد في المادة (27) من الدستور، وهذه الالتزامات وغيرها واجب على من يمثلون الدولة وهم الطبقة الحاكمة، وعندما يسعى هؤلاء لإشغال تلك المناصب التي تمثل مفاصل الدولة الأساسية وسلطاتها الثلاث نجدهم يرفعون شعارات النزاهة والاستقامة وتعهدهم بتوفير تلك الحقوق الدستورية ومن أهم ما يرفعه هؤلاء ويكثرون الكلام به في محافلهم وفي وسائل الإعلام عبارات النزاهة والعدالة وتوزيع الثروة العادل وحماية امن المواطن، لكن عندما يختلي بعضهم إلى أقرانه من شياطين الفساد يختلف طرحه عن أي قول أعلنه للعموم، ويعمل للحصول على اكبر قدر من المنافع الشخصية والفئوية، ويجتهدون في إيجاد السبل في تقنين سرقات المال العام، ومحاولة الوقاية من المحاسبة القانونية والشعبية، وهذا الحوار والعمل المخفي عن الجمهور والذي يستدل عليه بآثاره الواضحة في سيماهم وأفعالهم ومنها امتلاء الجيوب والأرصدة في الداخل والخارج والأملاك التي استباحوها وسرقوها من المال العام، حيث أن أحدهم يأتي من دار في حي شعبي فيصبح من أصحاب الأملاك في مراكز المدن أو في الخارج ، وبما أن هذا الحال هو الاختلاف بين ما يعلنون وما يضمرون أو يسترون به القول ، فإنه لاشك هو النفاق بعينه، لأن فقهاء الشريعة وعلماء الاجتماع وأهل اللغة يجمعون على أن النفاق هو (التظاهر بإتباع الفضيلة والأخلاق الحسنة الحميدة وإضمار السمة والنزعات الحقيقية للشخصية المنطوية على غير الظاهر منها. يكثر استخدام النفاق في إطار الأخلاقيات والأديان والسياسة وهو أمر منبوذ، وهو عكس الإخلاص.) وطالما هؤلاء هم من يمثلون الدولة فان هذه السمة تنعكس عليها فتصبح الدولة دولة منافقة بدلاً من دولة حامية للحقوق، لكن هل هذه الصفة لصيقة بالدولة ؟ الجواب كلا لأن هؤلاء الأشخاص المتمسكين بأهداب القانون لتمرير أجنداتهم والقابضين على كل السلطات سوف يذهبون وتبقى الدولة قائمة مثلما ذهب أسلافهم ومن كان أعتى منهم وأشد قسوة، وحتمية الزوال قائمة لأن التاريخ يحدثنا عن ذلك ويصور لنا وسائل الزوال المختلفة ومنها من حيث لا يحتسب الفاسد وغيره، وأهم عنصر في تنقية الدولة وزوال الفاسدين منها هو عنصر الشباب الواعي المتصدي لهم بإتباع كل السبل الدستورية والقانونية، والفاضح لفسادهم وسوء إدارتهم مهما نكلوا به سواء عبر القانون أو بغيره، وفي ما قدمه الشباب خلال السنوات الماضية ما يعزز هذا الأمل في أن هؤلاء الفتية أمل الأمة وطوق نجاتها. لأن هؤلاء الفاسدين القابضين على السلطة والذين تلطخت ضمائرهم قبل أيديهم برذيلة الفساد لا يمكن أن يكونوا مصلحين وسوف يهبطون من علياء المناصب إلى أدنى درك الخذلان وإن مآل فسادهم إلى كساد وكما وصفهم الشاعر أبو الفتح البستي بقوله :
كُلُّ صُعودٍ إلى هُبوطِ ..... كُلُّ نفَاقٍ إلى كَسادِ
كيفَ تُرجى صلاحُ حالٍ .. في عالَمِ الكَونِ والفَسادِ

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.