.
.
.
.

«روايات دزرائيلي... وفأس غلادستون»

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

يتحدث الأديب وكاتب السير الفرنسي أندريه موروا عن صدى وأثر كتيب غلادستون «الفظائع البلغارية والمسألة الشرقية» على الرأي العام، فيقول: «نجحت هذه الرسالة نجاحاً عظيماً وبيع منها أربعون ألف نسخة في بضعة أيام. وعقدت اجتماعات في جميع أنحاء إنجلترا طلب فيها طرد الأتراك. وفتحت اكتتابات لمساعدة تلك الحملة الصليبية. وفي ليفربول مثّلث رواية (عطيل). فلما قيلت العبارة: (لقد غرق الأتراك)، وقف الحضور وصفَّقوا طويلاً، وعصف على إنجلترا إعصار من الفضيلة. وغلادستون في كل مكان يخطب ويكتب، ويتَّهم الحكومة بالرغبة في ضمّ مصر. ويقول: إن ديزي يؤيد تركيا الهرمة، لأنه يظن أنها سوف تموت وأسطوله في خليج بشقه، وأكاد أكون موقناً أنه على استعداد للاستيلاء على مصر في أول فرصة. وقد نراه بعد ذلك دوقاً لمنفيس».
ويواصل حديثه عن الصدى والأثر الذي أحدثه ذلك الكتيب، فيقول: «ولم يعد غلادستون يفكر في غير البلغار، وصار كثيرون من الزائرين المعادين للأتراك يحجون إلى هواردن، فيجدونه خلع سترته، ويقدمون له الهدايا التي أحضروها: عصا ريفية، أو قبضة فأس منقوشة، ويحادثهم غلادستون عن البلغاريا، ويغادرونه متحمسين: (لا، إن إنجلترا لا تقاتل في صف المذنبين!). فليداعب رئيس الوزراء قبضة سيفه ما شاء. فإن الأمة ساهرة على ألا يترك هذا السيف غمده.
يحتاج هذا الاقتباس إلى شرح وإلى تصحيح لكي يكون كل ما قيل فيه مفهوماً للقارئ غير المعني بهذا التاريخ. وسأختتم الشرح والتصحيح بالتنبيه على موقف تناقض فيه غلادستون مع نفسه. والتناقض عند غلادستون في سياسته الخارجية هو تناقض وافر.
ديزي هو بنجامين دزرائيلي، زعيم حزب المحافظين، الذي يعده غلادستون زعيم حزب الأحرار، عدوّه الأكبر، وينعته بالدجال العبري. وحينما حصلت الفظائع التي ارتكبها الأتراك في بلغاريا لقمع ثورة البلغار القومية على الدولة العثمانية عام 1876، كان دزرائيلي رئيساً للوزراء. وكان غلادستون قد اعتزل العمل السياسي بعد خسارة حزبه، حزب الأحرار، للانتخابات، عام 1874، وفوز حزب المحافظين بها.
ومذ اعتزاله العمل السياسي كان معتكفاً في قلعة هواردن، وهي منزله الذي ورثه عن أجداده، للانكباب على اهتماماته بكتب اللاهوت وكتب الملاحم والبطولات الإغريقية، وكذلك دراسات العصر البرونزي واللغويات. وممارسة هوايتيه: المشي أميالاً طويلة، وحمل فأس الحطّاب لقطع الأشجار. وهما هوايتان تختلف عن هوايات خصمه اللدود. فدزرائيلي يهوى كتابة الروايات السياسية والأدبية والسفر والترحال والسياحة.
ثمة مقالة عنوانها «غلادستون وفأسه»، كتبها ماكس كولسون، حدثنا فيها عن هواية غلادستون أو عادته الأخيرة، قال فيها إن «غلادستون كلما اعتراه همّ، أو أراد أن يفكر في أمر مهم له علاقة بالأمور السياسية، نزل إلى حديقته ومعه معاونه، ليحمل معطفه، ثم يشمر عن ساعديه، ويتناول فأسه، ويهوي على الشجرة حتى يقطعها إرباً إرباً».
وفي مقال لمارتن سبايشل عن مجلس العموم البريطاني، ذكر أنه «كان يقال دائماً: روايات دزرائيلي... وفأس غلادستون».
عذراً، فكل هذا الاستطراد حول هواية أو عادة غلادستون الأخيرة، لأبيّن سبب إهداء الذين ألهبهم كتيبه بالعداوة للأتراك، قبضة فأس منقوشة.
حينما نشرت جريدة «الديلي نيوز» الموالية لحزب الأحرار تفاصيل الفظائع التي تعرَّض لها البلغار من قبل الأتراك، انتفض غلادستون، وتراجع عن قرار اعتزاله، وعاد إلى العمل السياسي بحماس ونشاط متقد. وصب جام غضبه في كتيبه على الأتراك وعلى دزرائيلي. دزرائيلي الذي كان شكَّك فيما نشرته جريدة «الديلي نيوز»، ولم يبالِ به، استناداً إلى أن سفيره في تركيا لم يبعث له تقريراً بهذا الشأن.
قول غلادستون عن دزرائيلي: «وقد نراه بعد ذلك دوقاً لمنفيس»، كان مبالغة في الهزء به، لأن هذا أمر من المستحيل أن يحدث؛ فمنفيس أو منف مدينة مصرية، ورتبة الدوق رتبة نبيلة تُنسب إلى بلد في بريطانيا.
لا يوجد في تركيا خليج اسمه خليج بشقه، وإنما يوجد خليج اسمه خليج بيتشكابي. وهو خليج صغير على الشاطئ الإيجي لطروادة في تركيا الآسيوية. ومصدر الخطأ عند مترجم الكتاب حسن محمود أن بيتشكابي تُحوّر في اللغة الإنجليزية إلى بسِكا، وأراد أن يُرجِع الاسم إلى أصله التركي، لكن بالظن والتخمين. فقلب حرف السين إلى حرف شين، وقلب حرف الكاف إلى حرف قاف، وقلب حرف الألف الممدودة إلى حرف هاء.
كما أن الجملة الأخيرة في الاقتباس قد وقع فيها سقط. والسقط كان في حرف الجر «في». فالجملة يجب أن تُقرأ بإرجاع حرف الجر إلى مكانه، أي على هذا النحو: فإنَّ الأمة ساهرة على ألا يترك السيف «في» غمده.
التناقض هو أن غلادستون الذي كان (كما مر بنا) يشنع بدزرائيلي أنه يريد أن يحتل مصر (وذلك انطلاقاً من أن دزرائيلي ذو نهج استعماري، وأنه هو معارض لهذا النهج، لتعلقه بالمبادئ الإنسانية). احتلت إنجلترا مصر في عام 1982، أي احتلتها في فترة رئاسته للوزراء للمرة الثالثة!
فإذا كان دزرائيلي هيأ مصر لاحتلالها، وذلك بتدبيره صفقة شراء أسهم الخديو إسماعيل في قناة السويس التي اضطر الأخير لبيعها لإنقاذ مصر من الإفلاس ولسداد ديونها، وهي الصفقة التي عارضها غلادستون بشدة، فإن الذي نفذ عملية الاحتلال وأدارها هو غلادستون.
وهناك حادثة حصلت في أثناء ثورة عرابي، ذكرها المؤرخ والصحافي البريطاني دزموند ستيوَرت، في كتابه «تاريخ الشرق الأوسط الحديث: معبد جانوس»، تمت للتناقض الذي أشرنا إليه بصلة.
يقول دزموند ستيوَرت في كتابه هذا (بعد حديثه عن المحاولات الفاشلة لفض سيطرة عرابي على الحكم بالسلم): «قرر غلادستون في هذا المأزق أن يقوم بمحاولة سلمية أخيرة، وهي الطلب إلى السلطان إرسال مفوض عسكري إلى مصر يرعب المصريين وجوده، ويحولهم عن موقف المقاومة لإنجلترا. أما فيما يتعلق بعرابي؛ إذا لم يقنعه بإرساله القسطنطينية، فعليه أن يدعوه إلى اجتماع ودي ويقتله بيده، إذا اقتضت الضرورة لذلك. كان هذا القرار أغرب قرار اتخذه غلادستون في حياته السياسية، ولذلك لم يتكلم عنه كاتب سيرة حياته إلا بصورة مقتضبه».
السلطان عبد الحميد الثاني (كما يذكر دزموند ستيورت) وافق على الاقتراح، وأرسل درويش باشا في هذه المهمة. لكن هذه المهمة، التي كانت مهمة مزدوجة، فشلت. ولقد ذكر أسباب فشلها.
أما كاتب سيرته؛ فهو جون مورلي. وسبب كتابته عن ذلك القرار بصورة مقتضبه أنه (كما وصفه ستيورت في موضع من كتابه) كاتب سيرة غلادستون الرسمي.
بمناسبة اتكائي على كتاب أندريه موروا المترجم إلى اللغة العربية عام 1939، سأحدثكم عن واقعة حصلت معي. وهي أنني قبل ثلاثة أسابيع عثرت في شبكة الإنترنت على بحثين أكاديميين هما: «غلادستون والمسألة البلغارية (1875 - 1876م)»، منشور في مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، عدد يوليو 2021، و«غلادستون والمسألة الأرمنية (1894 - 1896)» منشور في مجلة المنارة الصادرة عن جامعة آل البيت في الأردن، العدد 4 ديسمبر (كانون الأول) 2016، صاحب هذين البحثين هو الدكتور يوسف حسين عمر، أستاذ مشارك في التاريخ الحديث والمعاصر.
أهمية هذين البحثين أنهما تناولا موضوعاً غير مطروق باللغة العربية، وهو موقف غلادستون من مذابح البلغار ومذابح الأرمن. وقد تناول الدكتور يوسف حسين عمر هذه الموضوع في بحثه باستفاضة وتفصيل.
لكني فوجئت أنه في هذين البحثين لم يتعرض للعبارة المنسوبة إلى غلادستون، لا بالنفي ولا بالإثبات، مع أن هذين البحثين هما مكانا التعرض لها. فحملات غلادستون الشرسة والعدوانية على الأتراك التي بدأت مع مذابح البلغار، واستمرت مع مذابح الأرمن هي السبب في اختلاق عبارة عدوانية على لسانه تجاه القرآن، للانتقام منه.
ولم أفترض أنه يجهلها، بعد قراءتي للبحثين لأنه ليس ذا ثقافة علمانية أحادية، بل هو (كما أبان في بحثيه) ذو توجه إسلامي عثماني، وبالتالي هو يعرفها جيداً.
لفت نظري أنه في ملخص بحثه عن «غلادستون والمسألة الأرمنية»، قال: «تهدف الدراسة إلى تبيان موقف غلادستون المعادي للدولة العثمانية باعتبارها دولة إسلامية»!
وفي استعراضه لما جاء في خطبة غلادستون، بمناسبة ذكرى ميلاده، في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1894، لفت نظري نقله عن غلادستون قوله في خطبته: «ببساطة، بسبب الآثام والخطايا الكثيرة التي تم تسجيلها بحزم بيد الله سبحانه (هذا تعبير إسلامي وليس تعبيراً مسيحياً) ضد الأتراك والمسلمين».
ولفت نظري قوله في حاشية من حواشي الخطبة: «كان غلادستون في كثير من خطاباته وخطبه يستخدم كلمات وألفاظاً فيها سب وقدح بشخص نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، لذلك تم تجاوزها في هذا البحث».
تعليقاً على هذا أقول: «كما بينا في المقال السابق: غلادستون يسبّ الأتراك بوصفهم عِرقاً لا بوصفهم دولة إسلامية. وكان يخصهم (من باب المراوغة السياسية) بإسلام مختلف جذرياً عن إسلام المسلمين، يسميه الإسلام التركي».
إن غلادستون كان يحاذر أن يقدح في الإسلام وفي نبيه وفي أتباعه المسلمين، وكان حريصاً على أن يرفع عنه هذه التهمة. ففي خطبة ألقاها عن المذابح الأرمنية في أواخر عام 1896 لخّصتها جريدة «المشير» بالإسكندرية في عدد 114، 19 سبتمبر (أيلول) 1896 بالقول: «أول ما قال إن ذلك الاجتماع وطني، ولا غرض للأحزاب فيه، ثم أكد للسامعين أنه لا يريد محاربة الإسلام والتهييج ضدهم، بل هو يريد الانتصار لقوم عضهم الظلم بنابه، وأنه لو كان الذين حلَّت بهم هذه الرزايا من المسلمين أو الهنود أو الكفرة؛ فهو ينتصر لهم، لأن الغرض هو الإنسانية، وليس الدين. وتخلّص من ثَمّ إلى مدح ما أظهره بعض المسلمين أثناء هذه المذابح من مكارم الأخلاق وحماية النصارى وعدم الرضا عن سياسة الحكومة، وأثبت ببراهين جلية عن سابق علم أن الشر كل الشر صادر من نفس السلطان وحاشيته ليس إلا».
أما ما قاله الدكتور يوسف حسين عمر في الحاشية، فهو ظاهر البطلان وعفّة في غير موضعها. فالكُتّاب المسلمون منذ أوائل القرن الماضي، وكذلك الكُتّاب الإسلاميون في عقود متأخرة من هذا القرن، لا يجدون حرجاً في نقل قدوحات غلاة المستشرفين والمبشرين في النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). لكن لأنه ليست لديه إثباتات على دعواه، لجأ إلى هذه الحيلة التقوية.
تحت عنوان «موقف غلادستون تجاه المسيحيين في الدولة العثمانية»، في بحثه عن «غلادستون والمسألة الأرمنية»، قال عن غلادستون: «رغم أنه كان قد قرر اعتزال العمل السياسي والخدمة العامة، إلا أنه لم يستطع أن يبعد أفكاره عن تلك المظالم (يقصد المظالم البلغارية) التي لا تحتملها دراساته الدينية اللاهوتية». وأحال إلى كتاب أندريه موروا عن حياة دزرائيلي، لا بنسخته المترجمة إلى اللغة العربية، وإنما بنسخته الإنجليزية.
ومن المؤسف أنه حرّف ما قال أندريه موروا؛ فموروا ينقل عن رسالة كتبها غلادستون إلى صديقه غرانفيل، وهو في سن السبعين، أنه «بعد خمسين سنة قضاها في الخدمة العامة له الحق الآن في اعتزال الخدمة، لكنه منذ ذلك الحين كثيراً ما عاد من جزيرة إلبا، ويجده دزرائيلي أمامه في كل طريق منتصباً كمارد يقذف النار من فيه، ليس ذلك لأنه لم يكن مخلصاً في رغبته في الراحة، لكن تولي الشرير السلطة يدعوه إلى العودة رغمه، وحاول عبثاً أن يبعد أفكاره عن تلك الفضيحة التي لا تحتملها دراساته الدينية والهومرية».
إن الكلام الذي نقله من هذا المصدر ليست له صلة بالمظالم البلغارية، وهو قد غيّر كلمة الفضيحة إلى كلمة المظالم. وغيّر كلمة الهومرية إلى كلمة اللاهوتية. وكان في التغيير الأخير حشو مقصود.
والفضيحة في هذه الرسالة هو تولي دزرائيلي السلطة. ولتوضيح هذا المعنى، سأنقل كلام أندريه موروا، في موضع متقدم من كتابه حيث يقول: «كان في إنجلترا رجل واحد على الأقل يرى في سمو مركز دزرائيلي، وتوثيق العلاقة بين العرش وبين هذا الدجال العبري فضيحة لا تُحتمل. هذا الرجل هو غلادستون».
إنَّ المقصود بالدراسات الهومرية، التي حذفها يوسف عمر حسين في النص المقتبس هو دراساته عن الشاعر هوميروس مؤلف ملحمتي الإلياذة والأوديسا. وكان غلادستون إلى عام 1876 قد أنجز جزأين من دراساته عنه. وللحديث بقية.

نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.