.
.
.
.

أزمات النظام العالمي في حوارات دافوس

السيد ولد أباه

نشر في: آخر تحديث:

في خطابه أمام منتدى دافوس المنعقد افتراضياً هذه الأيام، ذهب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التحذير من أن العالم سائر راهناً حول «حرب الكل ضد الكل»، معتبراً أن وضعية المنظومة الدولية تشبه إلى حدٍّ بعيد عالم ما بين الحربين، ولم يعد بإمكان المؤسسات الدولية القائمة ضبط التحديات النوعية التي يواجهها السلم العالمي والوضع الاقتصادي الكوني. ولقد رأى بوتين أن المأزق الرئيس الذي يعانيه النظام العالمي هو انهيار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن نمط الرأسمالية السائدة التي تقوم على تراكم الثروة، مع تفاقم التفاوت الاجتماعي. ولم يعد بالمتاح مواجهة التحديات الحالية بالسياسات التقليدية، مثل القروض الميسرة الممنوحة للأفراد والشركات من أجل دفع الإنتاجية وتنمية الاستهلاك وسوق العمل.
ولقد خلُص بوتين إلى أن المطلوب هو إبداع نظام دولي جديد بمؤسسات متخصصة ملائمة لتحقيق المطالب الأربع الضرورية لانتشال الاقتصاد العالمي المنهار، وهي: خلق فرص جديدة للعمل بمكافآت مجزية، وتوفير المساكن الضرورية للفئات المشردة والمهمشة، وتطوير الطب الوقائي والاستشفائي، وتوفير الخدمة التعليمية النوعية للشباب.
ومع أن لهجة بوتين بدت حادةً نوعاً ما، إلا أنها عكست بقوة أجواء الحوار السياسي بين قيادات العالم المتقدم حول أزمة النظام الدولي الحالي في أبعاده الاستراتيجية والاقتصادية.
وليس من محض المصادفة أن يختار المشرف على منتدى دافوس، الاقتصادي الألماني المعروف كلاوس شواب، مقولةَ «إعادة الضبط الكبرى» great reset شعاراً للدورة الجديدة للمنتدى التي التأمت هذه السنة في سياق استراتيجيات المواجهة العالمية لجائحة فيروس كورونا المستجد التي كشفت عن الثغرات الخطيرة في تركيبة وسياسات النظام الدولي القائم.
ومن أبرز هذه الثغرات، إخفاق إجراءات التحكم في الديناميكية المالية للاقتصاد المعولم، وتفاقم الفوارق الطبقية أفقياً وعمودياً، أي داخل المجتمع الواحد وما بين الفئات المندمجة في الثورة التقنية الجديدة واقتصادياتها والفئات المحرومة من الطفرة الحالية.
لقد خلُص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من نقده لأزمات الاقتصاد العالمي إلى المطالبة بنمط جديد من «الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة» في مقابل السياسيات النيوليبرالية التي سادت العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، داعياً إلى استبدال «إجماع واشنطن» الذي انجر عنه النظام المالي ما بعد الحرب العالمية الثانية بإجماع جديد أطلق عليه «إجماع باريس» باستلهام تجربة الدفاع عن المناخ البيئي النظيف في وضع اقتصاد يراعي حاجيات الإنسان الحيوية ويقف دون التفاوت والغبن والإقصاء.
وإذا كان الرئيس الروسي بوتين قد حمل الشبكات الإلكترونية العملاقة مسؤولية الفوضى المرعبة التي يعانيها العالم الآن، معتبِراً أنها أصبحت تنافس الأمم وتهددها في سيادتها، فإن العديد من الأصوات الوازنة في الغرب الليبرالي خلُصت إلى النتيجة نفسها، معتبرةً أن الخلل الأكبر في السياسات الدولية الحالية هو عدم ضبط الوسائل التقنية الحاملة لديناميكية العولمة باختزالها في مكاسبها الاقتصادية الإنتاجية دون النظر إلى آثارها وانعكاساتها الاجتماعية.
إن هذا الخلل هو وليد الأفكار النيوليبرالية التي سادت العالم بعد نهاية الحرب الباردة، من حيث تبنيها لمنطق التبادل الحر غير المقيد وللفاعلية الإنتاجية الحرة، دون اعتبار للجوانب الإنسانية والاجتماعية من العملية التنموية التي تقتضي التمييز بين طبيعة الرأسمال المادي ومستويات الرأسمال الأخرى الرمزية والبشرية.
ومع أن المؤسسات المالية الدولية تبنت منذ بداية الألفية الجديدة مقولةَ التنمية الإنسانية في محدداتها الحقوقية ومنظورها المعياري والاجتماعي، إلا أنها لم تسعَ إلى وضع قواعد الضبط الضرورية للنظام الاقتصادي المعولم المنفلت من حدود وإجراءات التسيير السيادي للدولة القومية التي ما تزال الإطار الأوحد للمشاركة الديمقراطية المنظمة.
ما بينته جائحة «كوفيد - 19» هو أن كبريات دول العالم وجدت نفسَها في حالة عجز كلي عن احتواء الآثار المدمرة للجائحة وفق قواعد الشراكة الدولية التي لم تواكب تحولات الاندماج التقني والاقتصادي الكوني، في الوقت الذي لم تعد السياسات الصحية والاجتماعية القومية مهيأة للتعامل مع حالات الأوبئة العابرة للحدود.
ومن هنا لا يكون من المجدي الرجوع إلى المنطق السيادي التقليدي لحماية الأفراد والمجتمعات عبر أساليب الحماية والانكفاء. فقد أثبتت التجربة الأخيرة أن إجراءات التدخل العاجل والحجر المؤقت باهظة التكلفة ومحدودة ومؤقتة الأثر. كما أن الجدل الواسع الذي واكب في أيامنا ما أطلق عليه بعض الباحثين الاستراتيجيين «جيوبولوتيكا اللقاح»، أظهر للعيان زيف وهم الخلاص الانتقائي الذي تبنته الدول الكبرى للإفلات من الجائحة دون الاهتمام بالأمم الفقيرة المتروكة لمصيرها البائس.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.