.
.
.
.

الانتفاضات والإدارة الرشيدة

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

أضحى ذلك الوقت من كل عام مناسباً لتذكر وقائع الانتفاضات العربية وما آلت إليه؛ ففى مثل هذه الأيام، تحديداً قبل عشرة أعوام، اندلعت تلك الانتفاضات على طريقة «الدومينو» الشهيرة؛ وبعدما رأى البعض فى بدايتها أنها «حركات محدودة، وهبّات لا مستقبل لها»، راح آخرون يؤكدون -بعدما تنقلت من بلد إلى آخر- أنها «ربيع العرب»، وتدشين لعهد جديد من الديمقراطية والرشد والتقدم.

فى يوم 27 ديسمبر 2018، صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبوالغيط بأن «هناك خطأً يجب أن نقف فى وجهه ونقوّمه، وهو خطأ أدى إلى انتشار موجات التطرف والإرهاب، وهو ما يُسمى بثورات (الربيع العربى).. إن تدمير الدول العربية وقتل مئات الآلاف من العرب لا يمكن أن يسمى ربيعاً عربياً، فثورات الدول العربية لم تكن ربيعاً، بل كانت دماراً لكونها أدّت إلى انتشار الإرهاب والتطرّف».

لقد قال «أبوالغيط» ما أراد كثيرون فى العالم العربى قوله، خصوصاً بعدما ظهر توجّه واضح إلى غلق ملف الانتفاضات، التى باغتت المنطقة منذ عام 2011، عبر تسويات سياسية دولية وإقليمية، يمكنها أن تُسكّن النزعات الثورية والاحتجاجية، وأن تخلق مسارات عمل سياسية، لكن قد لا يكون بوسعها جبر الأضرار الضخمة التى لحقت بعدد من الدول العربية ومواطنيها، أو ضمان حد أدنى من المنعة الضرورية لتصليب أنظمة وطنية، بمنأى عن استلاب إرادتها، والهيمنة على قراراتها السيادية.

ويبدو أن الأمين العام للجامعة العربية لخّص عبر هذا التقييم الواضح مجمل ما يتم تداوله فى أروقة الحكم فى معظم العواصم العربية، خصوصاً أن هذا التقييم تواكب مع تغييرات جوهرية حدثت فى أكثر من عاصمة من عواصم التغيير باتجاه غلق ملف الانتفاضات ومحاولة التأسيس لأوضاع قابلة للاستقرار والاستمرار على أسس إصلاحية وغير ثورية بطبيعة الحال. لقد مرّ عشرة أعوام منذ اندلاع الانتفاضات، وهى فترة كافية لدراسة التطورات، وتقييم الأثر، سعياً إلى مقاربة أكثر وعياً لحال الجمهورية العربية فى العقد الثالث من الألفية الثالثة.

ما زالت تونس تكافح لتثبت أن «ثورة» اندلعت بها، وأن لتلك «الثورة» استحقاقات بدأت فى التحقق بتباطؤ وعلى استحياء، لكن الأوضاع فى اليمن وسوريا وليبيا كانت أكثر مأساوية بكل تأكيد، إذ تمخّضت الانتفاضات عن سقوط الدول أو تزعزعها، وحروب أهلية، وتدخلات إقليمية ودولية، وأوضاع كارثية، ومئات آلاف القتلى والجرحى، وملايين المشردين والمهاجرين والنازحين.

أما مصر، فيمكن القول إنها عانت الكثير، وتكبّدت خسائر ضخمة، وواجهت تحديات هائلة، قبل أن تنكشف الغيوم عن وضع جديد، تجتهد القوى الفاعلة الرئيسية ضمنه لكى تستعيد الأوضاع التى سادت قبل اندلاع الانتفاضة على صعيد الأمن والاستقرار، بموازاة حركة دائبة لتلبية مطالب اجتماعية واقتصادية وتنموية كانت جزءاً رئيسياً من ذرائع الانتفاض.

وفى كل الأحوال، فإن البلاد لا تبدو مستعدة لاستعادة أجواء الاحتجاج، رغم ما يثور من انتقادات؛ إذ تكفلت المآلات المأساوية للانتفاضات العربية بتحييد فكرة التمرّد، واستبعاد خيار «الثورة»، والاكتفاء بالتعويل على الإصلاح.

لا يمكننا تجاهل وجود مسوغات موضوعية للانتفاضات التى اندلعت فى دول «الدومينو» السابق ذكرها، ولا يمكننا تجاهل أنها جميعها استحقت إدارات أكثر رشداً مما توافر لها على مدى نصف القرن الذى سبق اندلاع الانتفاضات، لكننا فى المقابل ندرك أن تلك الاحتجاجات كانت البيئة التى ترعرع فيها لاحقاً ما يمكن وصفه بـ«الحرب اللامتماثلة» التى تم شنّها من تلك الدول.

واجهت مصر وسوريا وليبيا واليمن حرباً لامتماثلة بكل معنى الكلمة؛ وهى حرب لا تشنها جيوش نظامية، وإنما جماعات تدعمها دول وأجهزة استخبارات دولية، تضرب فى مساحات زمنية وجغرافية مفتوحة من دون حد، وتستهدف إنهاك الدولة وتقويضها وتفجيرها من الداخل.

فمنذ اندلاع الانتفاضات تحالفت تلك الجماعات وداعموها ضد الدول المستهدفة، لتشن هجماتها التى شملت عمليات إرهابية، وقصفاً إعلامياً مركزاً، وأنماط تحريض، وفتناً طائفية، واحتجاجات ذات طابع تخريبى، بمساعدة ضغوط سياسية ودبلوماسية، ودعم وتمويل سخيين.

لا يعنى هذا بالطبع أن «الاحتجاجات لم تكن سوى مؤامرات»، كما أنها لا تعنى عدم وجود ذرائع كافية للثورة على النظم الحاكمة آنذاك فى تلك الدول والعمل على تغييرها، لكن الأكيد أن دولاً وكيانات أرادت استثمار هذه الذرائع، باستخدام «تكنيكات الحرب اللامتماثلة» من أجل خلخلة الدول المستهدفة وإسقاطها.

لم تستهدف الانتفاضات دول «الدومينو» العربية فقط، لكنها حاولت مع دول أخرى فى المنطقة وخارجها، وبعد مرور عشر سنوات على اندلاع الانتفاضات، بات من الواضح أن النظم التى تتمتع بدرجة مناسبة من الرشد فى إدارة الشأن العام، تظل بلادها عصية على تلك الاختراقات المتنوعة، التى لا تزدهر وتقوى شوكتها إلا فى الدول والمجتمعات غير المتماسكة، أو تلك التى تحكمها أنظمة لا تتحلى بالحد الأدنى من الكفاءة.

ولأن بعض الدول المستهدفة تمتلك إرادة البقاء، وتحكمها نظم يتسم أداؤها بالفطنة، فقد نجحت فى بلورة سياسات بدت فعّالة فى التصدى لتلك التحديات، بحسب مناعتها الذاتية، ودرجة الرشد فى أدائها، والسياق الدولى المواكب، وحدة الاستهداف، ومدى تركزه.

والواقع أنه بإمكاننا استخلاص أن هذه الاستهدافات «اللامتماثلة» التى عمّقت الأزمات وصنعت الفوضى والدمار فى بلدان الانتفاضات تزدهر عندما تكون صورة الدولة الذهنية سيئة، والانطباعات السائدة عنها سلبية، خصوصاً فى ما يتعلق بالانتهاكات الفجّة فى مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية والسياسية، التى تتحول لاحقاً إلى ذرائع للقوى المعادية، وتضعف قدرة الدولة، وتجرّدها من المناعة فى مواجهة الضغوط.

عندما امتلكت الدولة العربية قدرة مناسبة على إدارة صورتها الخارجية، واتخذت الإجراءات المناسبة لتفكيك ذرائع التمرد والاحتجاج، ووفرت موارد كافية لسد احتياجات مواطنيها، وخصصت تلك الموارد بصورة أكثر عدالة، تقلصت القدرة على زعزعة أمنها أو إسقاطها.

تخبرنا الوقائع أن استيفاء تلك العناصر واجب وناجع فى آن واحد، وأن الإخفاق فى تفعيل القدر المناسب منها قد يُفضى إلى نهايات سيئة.

وتبقى قدرة الدولة على الموازنة بين مطالب المواجهة الأمنية الفعّالة للاستهدافات، وبين استحقاقات صورتها الذهنية فى الخارج والإدارة الرشيدة للمطالب والموارد، ضمانة لعدم وقوع الهزات.

*نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة