.
.
.
.

بطل اليوم العالمي لرفض ختان الإناث

العنود المهيري

نشر في: آخر تحديث:

لا أكترث غالباً بالأيام العالمية للاحتفاء بأي شيء، إذ تبدو مناسبات مفتعلة ومبتذلة. ولكني أشعر بأن القضاء والقدر، والظروف والصدف، تظافرت جميعها ليكون 6 شباط (فبراير) 2021، أي ذكرى اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث، احتفالاً حقيقياً ببطل غير متوّج.

عديدة هي الأبحاث التي نشرها كميل أحمدي، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني من أصول إيرانية، عن المجتمع الإيراني، فأثارت حفيظة النظام في الجمهورية الإسلامية. فلكم تطرّق إلى زواج المتعة، وعمالة الأطفال، والعلاقات المثلية. بل وطالب برفع السن القانونية للزواج المحددة بـ13 للإناث و15 للذكور!

ولكن البحث الذي أورث أحمدي العداء المنقطع النظير للنظام الإيراني كان "فاضحاً" أكثر بالنسبة لطهران.

يؤكد الموقع الرسمي لأحمدي أنه حينما شرع في بحثه حول ختان الإناث في إيران، فقد سعى لتحدي الاعتقاد السائد عالمياً بأن هذه الممارسة تكاد تقتصر على أفريقيا. بل حتى حينما كان المناهضون لختان الإناث يلتفتون نحو آسيا، فإنهم لم يلحظوا إيران فعلياً، والتفتوا نحو محيطها العربي، حيث نجد الختان بنسب متفاوتة في الإمارات والسعودية وعُمان وقطر وغيرها.

ثم جاء أحمدي ببحثه اللامع ليسلط الضوء على إيران، ويضعها رغماً عن سياسة التكتم والصمت على الخريطة العالمية لختان الإناث، كاشفاً عن نسب صادمة تتراوح بين 50 و70% من الإناث في إقليم هرمزجان الجنوبي وجزره، أي بنسب تصل إلى ضعف تلك المُقدرة على الضفة المقابلة من الخليج.

أما الفضيحة الأخطر التي فجّرها أحمدي في وجه النظام فكان أن كشف عن "تواطئه" مع الختان. لقد تغاضى صنّاع القرار الإيرانيون، ومن خلفهم المؤسسات الدينية الشيعية، لعقود عن التشويه الجائر للأعضاء التناسلية للفتيات باعتبارها "خصوصية سنية" لا تعنيهم، إذ تقتصر الممارسة على الأقليات المتبعة للمذهب الشافعي. لم يؤرق النظام الإيراني ختان الإناث المستمر بالرغم من تجريمه الشكلي قانونياً، بل لم يرَ من داع للتدخل. بكلمات أخرى، لقد أخضعت طهران أجساد النساء لحسابات البراغماتية السياسية، وعدّتها حجراً في شطرنج التعامل مع الأقليات والأقاليم.

إن ما أثبته أحمدي في البحث الذي جن له جنون النظام الإيراني هو أن جريمة ختان الإناث ليست "شأناً عائلياً" كما نتصوّر في العالم العربي، فيُطوى بين أفخاذ الفتيات، ويُنسى على أمل انقراضه. ربما علينا التفتيش عن الأيادي المستفيدة، خصوصاً من التعامي عن الختان لمهادنة الأعراف القبلية المتخلفة، والمؤسسات الدينية الميسوجينية.

بالطبع، ليست مفاجئة أن حُكم على أحمدي انتقاماً بالسجن لمدة 9 سنوات.
بل كانت المفاجأة السارة أن ظهر خلال الأيام القليلة الماضية، حراً طليقاً في بيته في بريطانيا. لقد راهن خريج جامعة كينت بحياته ضد رشاشات حرس الحدود، والجبال الوعرة، والثلوج الواصلة كثافتها إلى متر ونصف، ليفر من إيران. ونجا! نجا وكأنما "تواطأت" معه الطبيعة نفسها ليشهد السادس من شباط.

يا لها من معجزة، ويا له من بطل.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة