.
.
.
.

فاروق وعبد الناصر!

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

أسوأ شيء فى الدنيا أن نمجد الحاكم وهو فى الحكم، ثم يتعرض للهجوم والاغتيال المعنوى، سواء بترك السلطة أو الموت.

"كأس دوار" ومس الانتقام الزعيم الخالد عبد الناصر بعد رحيله، فبعد أن انحنى الرئيس السادات لتمثاله النصفى، عقب أداء اليمين الدستورية فى مجلس الشعب، أثيرت اتهامات كثيرة، تنال الزعيم الخالد.

مشاهد سينمائية مروعة فى أفلام مثل "الكرنك" و"احنا بتوع الأتوبيس" و"البريء" حول افتراءات تعذيب الأبرياء فيما سمى سلخانات الثورة، والإنسان العادى يصدق ما يشاهده، ويضفى عليه من خياله مزيداً من "إبداعات التعذيب".

والملك فاروق الذى قلنا فيه قصائد هجاء، هو نفسه الذى غنت له أم كلثوم "الملك بين ايديك"، ومازلنا نستقبل الأعياد كل سنة على اللحن الخالد "يا ليلة العيد انستينا"، والست تشدو "يا نيلنا ميتك سكر، وزرعك فى الغيطان نور.. يعيش فاروق ويتهنى ونحيى لك ليالى العيد".

فاروق الذى اتُهم ظلماً بالفساد، هو الذى غنى له مطرب الأمراء محمد عبد الوهاب "والفن مين شرفه، غير فاروق ورعاه.. انت اللى أكرمت الفنان ورعيت فنه".

وهو أيضاً الذى كتب له محمد حسنين هيكل "فى يوم عيدك يا مولاى".. ويقول له "ثمانى سنوات وأنت تعمل لهذا الشعب وتخلص له وهو يعمل معك ويخلص لك، وستظلان معاً إلى الأبد".

قالوا عن فاروق إنه كان عاشقاً للنساء، ويتناول فى إفطاره خروفاً كاملاً، ولا يفيق من الخمر.. ولم يكن ذلك صحيحاً.

لم يكن ضرورياً أن يصعد بعض مؤرخى ثورة 23 يوليو بتشويه صورة الملك، والتنكيل به، وتسويد صورته فى الأفلام السينمائية، وإرغام الجميع على أن يسبق اسمه بكلمة "فاسد".. لكنه لم يكن كذلك.

إذا كتب التاريخ بالانتقام والافتراء فلن يكون عادلاً أو منصفاً، ويرسخ مفاهيم خاطئة حول العمالة والخيانة دون توافر الأركان.

المشهد الأخير والملك يغادر البلاد على متن يخت المحروسة جاء عكس ذلك تماماً، يؤكد أنه رفض أن تراق قطرة دم واحدة لأى مصرى، ثمناً لبقائه فى السلطة، ولم يستجب لنصائح مساعديه، بأن يستخدم الحرس الملكى والبحرية الملكية فى الإسكندرية، لردع "ضباط الثورة"، ولكنه فضل التنازل عن العرش فى هدوء، ضارباً مثلاً لا يتكرر كثيراً فى التضحية وإنكار الذات.

ورحل فاروق وكلنا راحلون، ولن يبقى إلا وجه الله ذى الجلال والإكرام، ولن تخلد إلا مصر، إلا إذا أصبحت حضناً يحتوى كل أبنائها حكاماً ومحكومين بالدفء والرحمة والمودة، وليس الغدر والانتقام والاغتيال المعنوى.

*نقلاً عن "أخبار اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.