.
.
.
.

التفسيق والتبديع

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

الإسلام لا يعني لكثير من متطرفي خصومه إلا أنه دينٌ عدائيٌ و"إرهاب" وليس هناك متسع من المساحة للنقاش والطرح والتفسير عند هؤلاء، وحين يُذكر المتطرفون من غير المسلمين فإن المعنيَّ هم قلة من خصوم الإسلام الذين لا يروقهم الاسم فضلاً عن أن يفتح سمعه ليناقش ويدرس ما يسمع، وفي المقابل أيضًا هناك في الإسلام من تلك العيّنة الشيء الكثير، وهم الذين أغلقوا باب التواصل مع الشعوب غير المسلمة، فلا يقبلون "مباحًا ولا نافعًا" بحسب زعمهم من تلك الشعوب، وهذان هما طرفا نقيض لا يلتقيان إلا أن يشاء الله.

وكما هو المعروف عند أهل الإسلام؛ فليس هناك لفظ يحل محل الإسلام ليتحاشى المسلمون لفظ الإسلام ويأتون به طمعًا في "هداية هذا أو ذاك" فسيبقى لفظ الإسلام هو الإسلام، وهذا يعني أن على المسلمين بذل الجهد الأكبر في الدفاع عن هذا الاسم وذود كل ما يشوهه عنه، ولا مجال للتفكر في غير ذلك، كما هو الشأن في كثير من الألفاظ التي من الممكن أن تعوض بغيرها أحياناً دفعًا لبعض التوهمات التي قد تعيق إيصال الحقيقة إلى الآخرين.

ولكن وإن تجاوزنا في بعض الألفاظ اعتمادًا على سعة اللغة وترادف المعاني فإلى أين؟ فلا زلنا في كل يوم نسمع ونرى من بين أوساطنا "نحن المسلمين" ناشئة لم تستوعب معنى دلالة الألفاظ على الانتماء، ونجد الكثير من هؤلاء حاد النقد لكل ما لا يروق لمزاجه وفهمه، فمثلاً لو وجد رأيًا "متشددًا" في فرع من فروع الفقه جعل ذلك مسوغًا له لنقد الفقه والفقهاء ووضع نفسه خصمًا للفقه برمّته، وكان بمقدوره أن يحيّز الخطأ بنقده، فلا يكون بذلك عابثًا بفهمه وسالكًا سبيل التخلص من خطأ بردّ الصواب كله.

وكم هي تلك المسائل التي يتلقفها أنصاف الفقهاء أو يخطئ فيها بعض الفقهاء لتكون بعد ذلك متكئًا لخصوم الإسلام في قالب النقد وحرية الكلمة، ولو رجعنا إلى ذي بدء في ذكري الإسلام، وأظهرنا الإسلام بكل إمكاناته الروحية والصناعية والطبية والفنية والأدبية والأخلاقية والإبداعية، ولم نشوه ونخفِ تراجم المبدعين، ولم نعرّض بفلان وفلان من الأئمة بما يوحي "التفسيق والتبديع.. الخ" لكونه أباح كيت وكيت مما نرى تحريمه، أو لكلمة توهم ولا تصرح فنأتي عليه بالأحكام؛ لربما المبعدة له عن الدين، لكنا اليوم في غنى عن البحث عن ألفاظ نسمي بها ما نريد طرحه وشرحه من أمور الفقه مثلاً.

إن أعظم خطأ يرتكبه مقررو الفقه والأحكام هو "استبعادهم ما يرونه مخالفًا" عن الطرح والتقرير والإفهام، حتى يقرروا بذلك أن أمر تحريمه هو من المسلّمات التي لا تقبل الجدل والنقاش، وقد جرت عادة فقهاء السلف أن يقرر ما يراه حقّاً وصوابًا، ثم يشرع قي تقرير مذهب مخالفه وكأنه مذهبه ورأيه ويبين مواضع استدلال مخالفه ووجه ما رآه خطأ فيه، كل ذلك إبراءً للذمة وإحسانًا للظن بأفكار الآخرين، واستيعابًا لما يجب استيعابه من الآراء والأقوال، كما أشار لذلك ابن كثير - رحمه الله - في مقدمة تفسيره.

هناك الكثير من المسائل والألفاظ التي سُلط عليها النقد، وجد المنتقدون في التصرف الفردي من بعض جهلة المسلمين ومتشدديهم مدخلاً ومتّكأً يبنون عليه ما يريدونه من استهداف لمصادر تلك المسائل والألفاظ، والواجب على كل من تحمّل حمل نشر الدعوة والفقه أن يسد تلك الثغرات بما لا يدع مجالاً لأحد، وأما من لا يبحث عن الصواب والحق أصلًا فكما قيل:

سأترك بابا أنت تملك إذنه

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.