.
.
.
.

متاعب الكويت في دروب السياسة

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

تابعت ما صدر عن ندوة المعارضين، مساء الإثنين الماضي، في مدينة الجهراء، وموجزها الإصرار على فرض قرار العفو وعودة تجمع تركيا إلى الكويت، مع مفردات لا تخلو من الحدة، معبرة عن تصميم المجتمعين بتمرير القرار، ويعني ذلك الإبحار في المواجهة، بما يضع الكويت في مناخ التوتر وارتفاع سخونة ما قد تفرزه هذه الأجواء. وأود إبداء ما يلي: أولاً - في حالة نادرة في حياة الكويت البرلمانية، حشدت فيها مجموعة من النواب كل الجهود لتفرض موقفاً على السلطة التنفيذية.. كان نواب زمان أكثر إدراكاً بأن تجربة الكويت البرلمانية تأسست على قاعدة التوافق، الذي يتولد من قناعة مشتركة، برلمانية وحكومية، تؤمن للبلد الهدوء والاستقرار لتنفيذ البرنامج التنموي المشترك، وفوق ذلك كان نواب الأمس على وعي بضرورة الابتعاد عن غلاظة الفرض، الذي يخرق التوازن الدستوري ويمس صلاحيات المقام العالي، ويحمل هذا التجاوز خطورة تقترب من المساس بالشرعية التاريخية للدولة، وتقدم لوحة مهتزة عن صورة الكويت وتثير القلق على أوضاعها. ثانياً - تشكِّل سلامة الدستور واحترام مبادئه والتزام بنوده، الحوض الدائم لصمود الكويت أمام اضطرابات المنطقة وتبدلات التاريخ؛ لأنه يوفر الحصانة المستخرجة من المبايعة الجماعية الشعبية، لما يجسّده من مبادئ تصون كرامة الإنسان وتعطيه حق المشاركة في مسار الحكم، وتمنحه منصة الاعتراض عند بروز خطورة على حقوقه الأساسية، والدستور ليس نصوصاً فقط، وإنما روح بناءة وغيرة واقية وأحاسيس وطنية بمشاعر الاعتزاز بالانتماء والاستعداد للتضحية عن التراب. ثالثاً - يظل النظام السياسي الكويتي منبع الوحدة الوطنية وحوض التآلف السياسي، وراعي حقوق المذاهب والضامن لتبادلية الاحترام الاجتماعي، والمحافظ على أملاك الناس والواقي لاستمرار ما يؤمن للمواطن من العيش الكريم، ويشكل أفضل أسلحة الكويت لإدامة الأمن والطمأنينة والانطلاق. لم تستقر المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى، التي استحضرت التفوق الأجنبي والاحتلال البريطاني للعراق والفرنسي للشام، ثم طغت فصول الانقلابات وفوضى «الربيع العربي»، الذي اقتلع أنظمة بلا جذور، تحكم بالدم والسلاح، ولم تقترب من دول الخليج، بسبب عمق جذورها التاريخية وتواصل شرعيتها وقوة المناعة المتجذرة.. وتعرّضت الكويت لمؤامرة الغزو وخرجت سليمة بجروح زادتها، تصميماً على التمسك بالدستور بقناعات، أكدتها أحداث التاريخ، وعمّقت تلاحم شعبها وصعدت رنات التحدي للغزاة ومؤازريهم، وضربت مثالاً في وحدتها، والتزامها بشرعيتها ونظامها السياسي. رابعاً - تحتاج الكويت حمايةَ القيم العالية التي يمثلها النظام السياسي في شراكة ثنائية نالت الإجماع الشعبي عند إعلان الاستقلال، وتجددت المبايعة بهذا النظام السياسي في مؤتمر جدة، في إجماع سهل مأمورية التحالف العالمي في عملية التحرير، وشكل المصدّة الرافضة لمحاولات الخداع عبر وصفة الحل العربي، وما تردد من بعض الدول عن الاستفتاء على شكل النظام، كلها تفتت أمام متانة تلك المصدة.. في أحاديثنا مع الأصدقاء في مختلف الدول، عربية وأجنبية، نبرز فضيلة فصل السلطات واحترام هذا الفصل من السلطتين، وتأكيد دور الفصل في تأمين التوافق والاستقرار.. لذلك، لا بد من أن يتمعّن النواب جميعاً في الملفات التي يناقشونها لكي يتدارسوا في أبعاد كل مقترح ومدى توافقه مع مبدأ فصل السلطات من دون اختراق للانسجام، الذي يقوم عليه الدستور في معادلة التوازن، فليس من مصلحة أي طرف إشهار التحدي لمنظومة الشراكة الثنائية محمولاً بالحماسة، ومجاهراً باستعداداته للاستمرار بهذا الانفعال، من دون تمعّن في أبعاده الخطرة على الوطن. خامساً - لا يمكن إجراء تعديلات على جواهر الدستور أو الاقتراب من نصوصه من دون مشاركة جماعية في حوارات شعبية وطنية تتواجد فيها جميع أطياف المجتمع الكويتي، وذلك تأميناً للوصول إلى وصفة تنال التوافق الجماعي وإلى قناعة بأن مصالح الجميع مصونة، مع ضرورة وقاية حقوق السلطة التشريعية وإبراز الموقع المميز لحقوق السيادة، فمن الأدوات التي نتحدث عنها في تواصلنا مع رجال الإعلام، والسياسيين، خاصة في أوروبا وأميركا، هي استحضار القيم الإنسانية العالية التي تجمل صورة الكويت عالمياً، والتي يجسدها الدستور بتأكيده على المساواة وحقوق الإنسان ودور المرأة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحقه في مساءلة كل مواطن من دون تمييز. سادساً - لا تحتمل الكويت هزات، وما زالت تئن بصمت من إخفاقات الغزو وجروحه، فلا يوجد فائض من الهمة الوطنية يذهب هدراً على خناقات وتباعدات داخلية، فلا تستقيم حياة الكويت من دون شرعية آمنة وصلبة، ومن دون توافق شعبي يحميها ويغير عليها، ولن تعلو كلمتها سوى بتلاق حميمي بين السلطتين يترجم الانسجام والتكاتف، مع تمتع هذا الترتيب الثنائي بدعم جماهيري مدرك لمخاطر الخلافات وتكاثر الشكوك والريبة، يتحرك بغيرة على ترابه وأمنه. لا تكسب الكويت من مساعي بعض النواب لحرمان الحكومة من حقوقها الدستورية في التصويت، وفق ما يتوافر من الدستور، فكل هذه الممارسات تنثر بذور الشكوك في النوايا وتسيء إلى تبادلية الثقة، ولم يكن هذا النهج مقبولاً في الماضي، وتكراره يضيف المزيد من الضيق في علاقة السلطتين، وقد يلوث مسار التعاون، ومع كل ذلك، يبقى الأمل الأكبر في الولاء الجماعي لحماية النظام السياسي كما رسمه الدستور. سابعاً - نتمنى على أصحاب الندوات الابتعاد عن المفردات المستفزة التي لا تخلو من ملامح التهديد وتحمل تقاسيم العراك، وتعلو في نبراتها إلى سماء المشاحنات، فمع من تشاغب؟ ولأي هدف تسعى؟ ومن يقطف ثمار هذه المشاحنات؟ ومن يسعد بها؟ ومن أي فصل في تاريخ الكويت استوحينا هذه التعبيرات التصدامية؟ ومن المستهدف؟ وعلى ماذا؟... هذه تساؤلات المواطنين الصامتين الذين يستغربون حدة التطرف.. الكويت بلد صغير له حساسية تولدت من موقعها، ولها تجربة قاسية ومؤلمة من جوارها، ولها متابعون يستغربون استرخائياتها، خصوم يتمنون إنهاكها، خاصة إذا أتت من أبنائها، ومع ذلك ما زلنا على أمل التعقل وحسن التدبير.. في رثاء المرحوم «سعد علي الناهض» Volume 0% انتقل إلى رحمة الله الفاضل، سعد الناهض، بعد حياة تلونت في عطائها، وكيلاً لوزارة الصحة، مديرا عاما للبنك العقاري، رئيساً لغرفة التجارة والصناعة، ومتطوعاً في جمعية الهلال الأحمر، وكنا نراه كل إثنين وكل يوم خميس، ومنذ أكثر من عام اشتدت عليه الآلام فغاب عن الجميع وبقينا نسأل ونتابع، وحلت إرادة الله في الانتقال إلى جوار ربه يوم الأربعاء الماضي. كنت أراه كنزاً أخلاقياً مرتفعاً عن «أوساخ» الدنيا، محلّقاً في فضاء القيم الحميدة، لا يتذمر ولا يتأفف ويرى الكون بريئاً، يتألم للمحرومين ويندفع نحوهم بالحميمية المتدفقة. كان مسكوناً بالوفاء للواجب، مرهقاً خاصة مع رئاسة غرفة التجارة، كنت أسأله عن حجم العمل في الغرفة، فكان موالياً لهذا الواجب من دون تذمر.. أحب كل شيء في الحياة: البحر، الشجر، البشر، كل أيامه بهجة، وكل دنياه جمال، وبسبب نقاوته ظلت أيامه سلسلة حتى داهمه المرض.. سعد الناهض.. عمود عالٍ في «بستان الخيّرين»، أسكنه الله واسع جناته.. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون..

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.