.
.
.
.

الأحزاب الشيعية تقطع آخر شعرة في علاقتها مع المرجعية الدينية في النجف

حيدر نزار السيد سلمان

نشر في: آخر تحديث:

في لقائه بالممثلةِ الأممية في العراق جينين بلاسخارت في نهاية العام الماضي ركَّز على ضرورة توفير شروط حقيقية للانتخابات القادمة لتضفي على نتائجها درجة عالية من المصداقية والثقة وليتشجع المواطنون على المشاركة الواسعة فيها وهو ما يمكن له التحقق بمراعاة النزاهة والشفافية في مختلف مراحل إجرائها، ويتم الإشراف والرقابة عليها بصورة جادة بالتنسيق مع الدائرة المختصة بذلك في بعثة الأمم المتحدة.

كما أشار المرجع الديني الأعلى إلى أن إجراء الانتخابات دون توفير الشروط اللازمة لإنجاحها بحيث لا تكون نتائجها مقنعة لمعظم المواطنين سيؤدي إلى تعميق مشاكل البلد والوصول إلى وضع يهدد وحدته ومستقبل أبنائه وستندم عليه جميع الأطراف المعنية الممسكة بزمام السلطة في الوقت الحاضر. وحدَّد السيّد السيستاني جملةَ من الشروط الضرورية لنزاهة الانتخابات ومنها: أن تتاح الفرصة لجميع المواطنين لتحديد اختياراتهم السياسية وبحرية كاملة، كما أن حصر السلاح المنفلت والسيطرة عليه من قبل الدولة ضرورة لعدالة الانتخابات.

يبدو أن الأحزاب الشيعية التي كانت تركّز في خطابها ودعاياتها الموجهة للناس باحتكامها إلى السيّد السيستاني وتعلن طاعتها والعمل وفق إرشاداته قد وجدت نفسها الآن في تحدٍ صارخ لكلّ متبنياتها السابقة عندما أعلنت بصراحة رفضها لإشراف ومراقبة دوليّة على الانتخابات المقبلة، وذلك بوصف هذه الرقابة والإشراف عملاً يمسّ بسيادة البلاد! ومن المثير للرأي العام أن الأحزاب الشيعية كانت رائدة في هذا الرفض، مما يثير التساؤلات والشبهات حول نزاهة الانتخابات من جهة وإجرائها في موعدها من جهة أخرى. لكنَّ الأكثر فضاضة في هذا المنحى هو أن هذه الأحزاب التي استخدمت رمزية المرجعية ومكانتها السامية لتسهيل مهمتها ببلوغ مريح لمقاليد الحكم والتسلط واغتنام كل ما استطاعت إليه سبيلاً من امتيازات وثروات ووجاهة، قد أصبحت الآن أكثر تشبثاً بالسلطة وأشدّ تحدياً للمرجعية الدينية في النجف، إذ أنها أحزاب تعمل بصورة تضامنية عندما تواجه تحدياً أو نوعاً من التمرّد عليها ولعلَّ في هذا السياق تكمن المخاطر المستقبلية التي أدخلت هذه الأحزاب نفسها في شراكها بعد أن أطربتها نغمة السلطة وأسكرتها خمرة الحكم فانتشت بقوتها وتناست الثقل الاجتماعي والتأثير الروحي لمرجعية النجف الدينية وقدرتها الفريدة والتاريخية لاستيعاب الأزمات ومن ثم التعامل معها بأناة وصبر تعززه خبرتها الطويلة بمواجهة الأزمات. ويمكن للباحث أن يقدم سرداً تفصيلياً في هذا المجال من خلال العودة لتاريخ العلاقة بين مرجعية النجف الدينية والسياسة.

يبدو أن الأحزاب الشيعية استقرَّ لها الرأي بانتفاء دور مرجعية النَّجف واضمحلال تأثيرها الاجتماعي، الأمر الذي تجسّده تصرفات وسلوكيات هذه الأحزاب والتفافها على دعوات مرجعية النَّجف إلى بناء الدَّولة وتعزيز هيبتها واسترجاع ما تمَّ نهبه من قبل الفاسدين، وإبعاد البلاد عن الصراعات الدوليّة والاقليمية والحفاظ على سيادة العراق. بيد أن العارفين بالتاريخ السياسي والاجتماعي العراقي يدركون جيّداً أن الصراع ضدّ هذه المؤسسة ذات التقاليد الراسخة المتغلغلة جغرافياً إلى مديات اجتماعية واسعة وعميقة- وذلك عبر سلسلة من الوكلاء والمعتمدين وخطباء المنبر وشبكات من الرعاية والدعم الاجتماعيين، والتي توظّف خطاباً توجيهياً جوّانياً يتمّ نشره من خلال هذه الشبكات الواسعة الانتشار والتأثير، وبمقدورها إحداث تغيرات مهمة بالرأي العام- لا يصب (مثل هذا الصراع مع مثل هذه المؤسسة) في مصلحة الأحزاب الشيعية. كما يمكن القول إن إغراءات السلطة والعوامل الخارجية التي توجّه وتحرّك السلوك السياسي والعقائدي لهذه الأحزاب قد أوقعها في نزاع هي تتوهمه سينتهي لصالحها. بيد أن الإشارات التاريخية ووقائع الأحداث وإمكانات التأثير الاجتماعي والنفسي تقود إلى استنتاج مغاير، وإنْ تأخر إلى حين. وبكل الأحوال فإن مرجعية النجف الدينية ترى أنها أصيبت بطعنات غدر مثلما ترى في نفسها الضمير الجماهيري وصوته المؤثر وهي لا يمكن لها أن تخذل أتباعها وأنصارها المقهورين والمحرومين والمطالبين بالإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والخدمي من أجل أحزاب خذلتها وأدارت وجهها عنها بعناد مرّة، ومخاتلة مرّات، لاسيما أن الأوضاع العامة قد بلغت أقسى مراحلها وأسوأ حالها مقترنة بمطالب شعبية موجهة إلى المرجعية الدينية لإبداء الرأي والموقف والتدخل. وبذلك فهي بين خيارين: إمّا الوقوف مع مقلديها وأنصارها، أو مع أحزاب فشلت بتقديم أنموذج صالح للحكم وغضّ الطرف عن مطالب الشعب مع الإشارة إلى كونها تتمتع باستقلالية ماديّة ومعنويّة حافظت من خلالها على رصانتها وقوتها، وربما تبلغ درجة القطيعة حداً يعود بنا إلى أزمنة سابقة لعام ٢٠٠٣ في الموقف والفعل وهو التوقع الأكثر احتمالاً في إعادة انتاج جديدة لعلاقة المرجعية الدينية بالسلطة السياسية.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.