.
.
.
.

حذف ميليشيا الحوثي من قائمة الإرهاب هدية ثمينة لإيران

حسناء القنيعير

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن مفاجئًا للمراقبين حذف الإدارة الأميركية ميليشيا الحوثي من قائمة الإرهاب، لأن ذلك متوقع إذ يعدُّ من الانقلاب على إرث الرئيس السابق ترمب الذي صنفهم إرهابيين في أيام رئاسته الأخيرة، فالإدارة الجديدة برمتها كانت منذ فترة الانتخابات الرئاسية تعدُّ بتغيير كثير مما أقره الرئيس السابق، وعلى رأس ذلك كل ما يتعلق باليمن، وقد أثار قرار حذف الحوثيين من قائمة الإرهاب تعجب الكثيرين إن في الداخل الأميركي وإن في خارجه، ومن هؤلاء السيناتور الجمهوري توم كوتون الذي أصدر بيانا قال فيه: «إن المتمردين الحوثيين مسلحون ومدرَّبون من قبل فيلق الإرهاب الإيراني في الخارج والحرس الثوري وحزب الله، وهم يطلقون الصواريخ على المدنيين والبحارة الأميركيين ويهتفون الموت لأميركا، وقد أغرقوا اليمن في حرب مطولة دمرت الشعب اليمني»، وتساءل: «إن لم يكن هذا إرهابًا فأنا لا أعرف ما هو؟».

ولأن المجتمع الدولي - ممثلًا بالأمم المتحدة والدول الكبار، وكذلك ببعض مسؤولي الإدارة الأميركية - كانوا يغضون الطرف عن ممارسات الحوثيين ضد اليمنيين، وكانوا السبب المباشر في كل ما يحدث في اليمن منذ انقلابهم على السلطة الشرعية، فقد استنكروا تصنيف الحوثيين إرهابيين من قبل الرئيس الأميركي ترمب، ومن هؤلاء وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بقوله: «ما هو التأثير الإنساني المحتمل؟.. الجواب هو مجاعة واسعة النطاق لم نشهد مثلها منذ ما يقرب من 40 عاما». يقول هذا متجاهلًا أن عصابة الحوثيين هي التي تمنع وصول الإعانات لليمنيين وذلك بسرقتها وبيعها في الأسواق أو تقاسمها فيما بينهم.

أمّا مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة (جايك سوليفان) فقد كتب حينها على صفحته في تويتر إنّ «قادة الحوثيين بحاجة إلى أن يخضعوا للمساءلة، لكنّ تحديد المنظمة بأكملها، (كمنظمة إرهابية) لن يؤدي إلا إلى المزيد من المعاناة للشعب اليمني وسيعرقل الدبلوماسية الحاسمة لإنهاء الحرب». يقول هذا وكأنّ الحوثيين ليسوا هم من أعاق الجهود الدبلوماسية في كل مرة استجابوا لإملاءات طهران! كما طالب عدد من أعضاء الكونغرس بومبيو وزير الخارجية السابق توضيح إدراج الحوثيين في قائمة الإرهاب، وكأنهم لا يعلمون ما يفعله الحوثيون هنالك من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وأنهم السبب في كل ما يجري على أرض اليمن، فقد تجاهلوا عملية السلام لسنوات ورفضوا احترام وقف إطلاق النار. وقد أكد التحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية اليمنية على ارتكاب الحوثيين «جرائم ضد الإنسانية منذ انقلابهم الدموي المشؤوم على الدولة، وتحويلهم الشعب اليمني في مناطق سيطرتهم إلى رهائن، وتسخيرهم الموارد الوطنية لأغراض الحرب واستمرارها».

وأمّا منظمات الإغاثة والاتحاد الأوروبي والعديد من الجهات الأخرى فقد أثارهم هذا التصنيف ووجهوا انتقادات حادة له متذرعين بأنه سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الأليمة في اليمن، وطالب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة بإلغاء القرار متذرعًا بأن السماح لوكالات الإغاثة بتسليم الإمدادات، كما اقترحت واشنطن وقت إعلان القرار، لن يكون كافيًا لتجنب المجاعة! وكأن اليمن قبل قرار التصنيف تنعم بالأمن الغذائي الذي يسبغه عليهم الحوثيون، بل وكأنهم لا يصادرون ما يرد لليمن من معونات ومواد غذائية، إذ يؤكد بعض المراقبين أن الحوثيين يستخدمون صواريخ إيران ليس فقط لتعطيل التجارة الدولية، ولكن أيضًا لمهاجمة شحنات الطعام لليمنيين، فالتصنيف في قائمة الإرهاب في نظر هؤلاء المتعاطفين مع الحوثيين، هو وحده السبب في أزمات اليمن وليس ما يفعله الحوثيون.

إنّ أولئك المحتجين على التصنيف هم السبب في إطالة أمد الحرب، وهم السبب في تمرد الحوثيين على جميع القرارات الدولية، فلا يخفى ما تتلقاه تلك المنظمات والقائمون عليها من رشى وأموال من قبل إيران وغيرها ممن يهمهم عدم وضع حدّ للمشكلة اليمنية، فمواقف هؤلاء تعكس فداحة القرارات المتخذة التي لا يبدو أنها تمهد للسلام بقدر ما تقوّي شوكة المتمردين في الداخل والخارج.

ويشكك كثير من المحللين في جدية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ومنظماته فيما يزعمونه من وضع حدّ لإرهاب الحوثيين، وأن ذلك لا يعدو رغبتهم في توظيف هذا الملف لخدمة أهدافهم بانتهاج سلوك مغاير مع إيران يعتمد على تقديم بعض الهدايا لها بدلًا من العقوبات.

وتتطابق هذه الرؤية مع وجهة النظر التي عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، الذي انتقد إلغاء إدراج الحوثيين على لائحة الإرهاب، ووصفه له بأنه «هدية للإيرانيين» و»سيسمح للحوثيين بمواصلة إثارة الإرهاب» في جميع أنحاء العالم، وقال في تغريدة على حسابه في تويتر: الحقيقة هي «أنّ إيران ترعى الحوثيين، وأن الحوثيين يمارسون الإرهاب».

إنّ ما تقدمه أميركا والمجتمع الدولي برمته للحوثيين وراعيتهم إيران - اعتقادًا منهم أن ذلك سيؤدي إلى إحلال السلام - يعيدنا إلى ما فعله أوباما للإيرانيين باسترضائهم وتقديم الدعم لهم ماديًا ومعنويًا، ما جعلهم يتمادون في صلفهم وغرورهم، فما إن انتهت فترة حكم أوباما إلا وهم يحكمون سيطرتهم إحكامًا تامًا على أربع عواصم عربية نتيجة التسامح معهم، وغض النظر عن أفعال ميليشياتهم الإرهابية في لبنان والعراق واليمن وسورية.

كما أن حذف اسم الحوثيين من قائمة الإرهاب كان وما يزال محل ريبة من قبل العديد من المراقبين؛ في ضوء ما أعقبه من تطورات على الأرض من تكثيف للهجمات على بلادنا وعلى الداخل اليمني، وعدم إفساح المجال للجهود الدبلوماسية، فقد انتقدت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأميركية إقدام الإدارة الأميركية الجديدة على رفع جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب، واصفة هذه الخطوة بأنها «مقامرة»، مؤكدة أنّ «إضعاف الأصدقاء وتقوية جبهة الخصوم (في إشارة إلى الحوثيين وإيران) ليس الصيغة الجيدة للتوصل إلى السلام». ونقلت الصحيفة تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأميركية، التي قال فيها «الرئيس (بايدن) يتخذ خطوات بهدف وقف الحرب في اليمن، والمملكة العربية السعودية تؤيد التوصل إلى تسوية عبر التفاوض، وتشعر الولايات المتحدة بقلق عميق، تجاه استمرار هجمات الحوثيين، وندعوهم إلى التوقف الفوري عن الهجمات التي تستهدف مناطق المدنيين في السعودية، ووقف أي هجمات عسكرية جديدة». إن التعبير بالقلق الذي ينتهجه كثيرون من ساسة العالم مجرد أقوال لا تعقبها أفعال، فهي مجرد ذرّ للرماد في العيون، أقوال «لا تسمن ولا تغني من جوع».

ختاما.. لقد أثار «استهداف مطار أبها الدولي من قبل الحوثيين تنديدًا عربيًا ودوليًا واسعًا، كما طرح العديد من علامات الاستفهام بشأن الرؤية التي استندت إليها الإدارة الأميركية الجديدة بحذف الحوثيين من لائحة المنظمات الإرهابية»، كما أن هنالك من حمّل الرئيس الأميركي والمجتمع الدولي والأمم المتحدة ومبعوثها مارتن غريفيث، مسؤولية التصعيد الحوثي الأخير، ولاسيما أن هؤلاء باتوا إزاء امتحان إنساني وأخلاقي يفرض عليهم الانحياز للإنسان والحق والعدل بإعادة تصنيف الميليشيا الحوثية جماعة إرهابية تعمل لحساب إيران، والعمل على قطع الرأس قبل قطع الذيل.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة