.
.
.
.

لقد كفرت

راغب جابر

نشر في: آخر تحديث:


لا شيء في لبنان يبعث على الإيمان بقيامته، لا شيء. يبدو الكفر بهذه القيامة أقرب الى المنطق. تسنده الحقائق والوقائع في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي كل التفاصيل، من الفائقة الأهمية الى الأكثر تفاهة.

لقد كفرت بالسياسة التي لم تعد موجودة أصلاَ، وبالسياسيين، رؤساء ووزراء ونواباً وأحزاباً ومن لفّ لفّهم وسار في ركبهم ومواكبهم، من مستفيدين ومستقوين ومتطفلين ومتعيّشين ومصفّقين، عمياناً ومبصرين.

كفرت بالسياسة لأنها صار ديناً وثنياً جاهلياً متوارثاً له مبادئه المتخلّفة وطقوسه الغريبة وأصنامه التي لا تفكر ولا تعمل ولا تنتج... ولا تؤكل، بل تتناحر وتدمّر وتعطل العقل والأدوات، وتقتل الطاقات والمواهب والمستقبل.

كفرت بالمؤسسات الدينية وبكثير من رجال الدين في هذا البلد الضائع بين الإيمان الحقيقي بالدين والعصبيّة الجاهلة للقبيلة والعشيرة والمذهب. لقد تخلت الشعوب عنهم في العالمين الأول والثاني، ولم يعد لهم من سطوة إلا على شعوب العوالم الثالثة والرابعة المتخلفة التي يسلبونها حريّتها وعقلها. كيف نؤمن بمؤسسات ورجال يُفترض أنهم يحملون رسالة الله الى العالم كله من دون استثناء وهم يفعلون غير ما يقولون ؟. اسمعوهم عندما تتضارب المصالح أو تمسّ مواقع الطوائف ومراجعها ومصالحها الكبيرة منها والصغيرة. عندها تسقط "المحظورات" ويهب الجميع ينادي "يا غيرة الدين"، وليمُت الوطن ولا تمسّ شعرة مما يعتبرونه حقوقاً للطائفة والمذهب والمنصب. لا تمسّ الرئاسات. لا تمسّ الأعراف. لا تمسّ الصلاحيات. لا تمسّ الوظائف. ترسم الخطوط الحمر التي تحمي الفاسدين من كبار الموظفين فتتعطل المحاسبة وينجو كل سارق بالملايين التي سرقها وهرّبها الى الجنات الضريبية في سويسرا ولوكسمبورغ وموناكو، ليتقاسمها مع أبناء "الزعماء" الذين هرّبوا هم أيضاً أموالهم التي جنوها بغير عرق جبينهم.

كفرت برجال دين يعيشون سلاطين. يلبسون لبس السلاطين ويأكلون طعامهم ويسيرون في مواكب تشبه مواكب الرؤساء والزعماء والسفراء ويركبون سيارات ملوكية ويحرسهم مؤمنون فقراء أولادهم جائعون.

كفرت برجال دين امتهنوا السياسة اللبنانية بكل موبقاتها ومثالبها، وانصرفوا عن جوهر الدين وروحه الى الانغماس في شؤون الدنيا ومباهجها ومغرياتها، مسخّرين سلطاتهم الروحية على المساكين في خدمة هذا أو ذاك من السياسيين وأصحاب النفوذ.

كفرت بالعدالة في هذا البلد غير العادل في كل شيء. ربما علينا أن نصرخ: خذوا كل الوظائف والمناصب لكن اتركوا لنا القضاء. بل أعيدوا إلينا القضاء الذي صادرتم استقلاليته وتقاسمتموه واستتبعتموه وشغّلتموه عندكم في وقت يفترض أن يكون سلطة مستقلة توازي السلطتين التنفيذية والتشريعية. بماذا يُملّح إذا فسد الملح، قال المسيح لمريديه الأوائل الذين اعتبرهم ملح الأرض. القضاة ملح العدالة فكيف تقوم عدالة إذا فقدت الثقة بالقضاء؟ بعدما وضعت السياسة يدها الثقيلة عليه فجعلت بعضه في خدمتها وحمت بعضه الفاسد الذي تسلل الى أخطر مهنة وأشرفها.

كفرت بالعقل في هذا البلد الذي وضعوه في قوالب صغيرة جاهزة محكمة الإغلاق لا يدخلها نور ولا هواء، فتعطل نموّه وشلّت قدراته. كفرت بمن أوتوا نعمة التفكير فباعوها لشياطين الأرض وسحرتها ومنظّري الجماعات المقفلة والعصبيات الطائفية والمذهبية والحزبية والمصلحية والعنصرية. كفرت بالمثقفين وأنصافهم وأشباههم الذين اكتفوا بالمناصب وبالصفوف الخلفية خانعين مكتفين بوظيفة وراتب يمنّ به عليهم زعيم طائفي يدعوهم أحياناً الى ولائمه فيصفقون له بعد خطاب تقسيمي حاقد تافه مليء بالأخطاء اللغوية.

هل أقول كفرت بالعلم وبالتربية، وبالأخلاق والقيم، وبالتنمية وبالوحدة الوطنية وبالعيش الكاذب المسمى مشتركاً، وبالرقيّ وبالفن وبالإعلام، وبالريادة في الطب والهندسة والادب، وبالتاريخ والجغرافيا والتراث، وبالعبقرية اللبنانية المزعومة وبالجناحين المرفرفين في الوطن والمهجر، وبالتجارة، صنعتنا المفضلة، التي يمارسها تجارنا نصباً واحتيالاً واحتكاراً، وبكل معزوفة التفوّق التي صرعونا بها؟

نعم.

كفرت بالشعب. هذا الشعب الساكت الذي خسر كل شيء وما زال يصرّ على صمته، ولا يصرخ إلا في المآتم واحتفالات الطوائف وزعمائها .

كفرت.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة