.
.
.
.

ما بين التحرُّش والغزل

حامد الحمود

نشر في: آخر تحديث:

سلطت الإعلامية المميزة بيبي الخضري ــ في الفيديو الذي بثته القبس ــ الضوء على ظاهرة التحرش الجنسي التي تعاني منها النساء بشكل عام، والفتيات بشكل خاص. فكان لهذا الفيديو الأثر الكبير في تشجيع فئات المجتمع في نقاش هذه الظاهرة، والأضرار التي تسببها، ما دعا خمسة أعضاء من مجلس الأمة إلى اقتراح بقانون لتسهيل صدور أحكام لمعاقبة الشباب الذين يسببون هذا الضرر النفسي، وأحياناً الجسدي للبنات. والعقاب المقترح يقضي بحبس من تثبت عليه التهمة مدة لا تتجاوز سنة وتغريمهً ثلاثة آلاف دينار. لقد خطر ببالي أن أسأل مجموعة عبر تطبيق تويتر عن تعريفهم لما يعتبرونه تحرشاً.. فسألت: هل تعتبر محاولة شاب أن يتحدث إلى فتاة بأدب في مقهى تحرشا جنسياً؟ فأجاب 66% ممن سُئِلوا بأنهم لا يعتبرونه كذلك، بينما اعتبره %34 تحرشاً. وقد علق أحد المتابعين بأن الفتاة ستعتبر محاولة الحديث معها تحرشاً إذا لم يعجبها الشاب! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتبر 66% من المجموعة التي سُئلت أن الجزاء الذي تضمنه مقترح أعضاء مجلس الأمة كان معقولاً، بينَما رأى %24 منهم أنه مبالغ فيه، و15% رأوا أنه كان متساهلاً. وللعلم، فإن قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 لا يشمل جزاء للتحرش الجنسي كما نعرفه حالياً، وإنما يضمه تحت الجرائم الجنسية. فتكييف التحرش لقانون الجزاء الحالي سيكون صعباً، ولعظم العقاب ستتم براءة المتهم. من تجربة المحامية منى الأربش خلال لقائها بمجلة أسرتي في 28/01/2019 ذكرت: «أن المتحرَّشَ بهنِّ يقفن عند حد تقديم البلاغ في المخفر ويرفضن إكمال خطوات استعادة حقوقهن وذلك خوفًا من كلام الناس». هذا، وللأمانة، أرى أن موضوع التحرش الجنسي كما هو متعارف عليه في الكويت، الذي يشمل التحديق ومحاولة اللمس والمطاردة بالسيارات والإصرار على التحدث مع فتاة يعتبر حالة خاصة من دائرة أوسع من التحرش الجنسي، التي تشمل ممارسته ضمن دائرة العمل، خصوصاً عندما يمارَس من قبل رجل ذي مركز على فتاة يرأسها. هذا، كما أن هناك نقصاً في البيانات عن هذا التحرش الذي قصدته الإعلامية الخضري ومدى انتشاره. وتنقصنا المعلومات عن الخلفية العلمية والعمرية والصحة النفسية للشباب الذين يمارسونه. وقد حاولت أن أبحث عن دراسات علمية حول التحرش الجنسي في الكويت من خلال التواصل مع أساتذة من جامعة الكويت، وبالذات من قسم الاجتماع، فلم أوفق. هذا مع توافر دراسات قيمة عن العنف الأسري والتحرش الجنسي بالأطفال، لكنها بشكل عام كانت بعيدة عن التحرش الجنسي الذي صورته لنا الإعلامية بيبي الخضري. وهنا علينا طرح تساؤل مهم: لماذا يمارسه هؤلاء الشباب؟ وكم نسبة الشباب الذين يمارسونه؟ وهل يعتبر هؤلاء الشباب العدوانية نحو النساء أسلوباً للغزل؟ وهل حققوا نجاحات من خلال ممارسته؟ بمعنى هل هو أسلوب غزل ناجح؟ فالمجتمعات تختلف بهدف دراستها للتحرش الجنسي. ففي ألمانيا مثلاً، وجدوا أن هذا النوع من «الغزل» أو التحرش يمارَس عادة من قبل الشباب العرب المهاجرين. ووجدوا أنه أسلوب فاشل للغزل. وقد نقلت المحطة الألمانية DW عن صحيفة بيلد الالمانية بتاريخ 16/10/2017 أن التحرش الجنسي من تحديق ومطاردة ولمس يمارَس عادة من الشباب العرب المهاجرين كنوع من الغزل، مع أن الدراسات أثبتت أنه أسلوب فاشل، ما دعا الأستاذ الألماني ستيفان مولر أن يفتح مدرسة يعلم بها الشباب العرب الغزل في أحد أحياء برلين. ويرى مولر: «أن الاندماج ليس تعلم اللغة والالتحاق بسوق العمل فقط»، ومما علمه مولر للشباب العرب «ترك التصفير والتحديق واللمس والحديث بصوتٍ عالٍ». وقد علق أحد الشباب السوريين الذين حضروا دروس مولر: «الآن عرفت لماذا لم أوفق بالتعرف على فتاة». وقد أعجبني الشعار الذي وضعه مولر لدروسه، وكان «تعلم الغزل من أجل اندماج سلس». هذا، ومع أننا في الكويت وبحكم العادات والتقاليد لا نستطيع أن نعلم الغزل، فإنه يمكن تعليم الشباب التعامل مع المرأة. فقد وصل الإسفاف والانحدار الخلقي أن اشتكت امرأة حامل من تحرش أحد الشباب، فخاطبته قائلة: «أنا بعمر أمك.. ألا تخجل من نفسك؟». فأجابها بصلافة أقبح من فعله. لذا أرى أن موضوع التحرش الجنسي لا يعالج بتشريع فقط، بل إن العلاج التوعوي يفوق العلاج التشريعي أهمية، لكن مع غياب البيانات عن عدد حالات التحرش، المقدم ضدها شكوى، وتلك غير المقدم ضدها شكوى، فإن تحديد الأولويات سيكون صعبا. هذا، ومع أن تشريع القانون المقترح سيسهل من تكييف «الجريمة مع القانون الجديد، ما يسهل النطق بالعقاب، إلا أنه مع غضبنا من الشباب المتحرشين، فلن يتم إصلاحهم برميهم في السجون لأشهر، لسلوك كان يمكن أن يعالج بحملة توعوية. وعسى أن نذكرهم بما قاله المهاجر السوري الذي حضر دروساً لتعلم الغزل مع ستيفان مولر: «الآن عرفت لماذا ترفضني النساء». لذا، إن كنا لا نستطيع اتباع منهجية الأستاذ مولر في برلين، فلا بأس أن نبحث عن مخرج يفضي إلى خلاص هؤلاء الشباب من إحباطاتهم التي تحولت إلى عدوانية نحو المرأة.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة