.
.
.
.

معجم لهجات السعوديين

بداح السبيعي

نشر في: آخر تحديث:

(معجم لغة الحياة اليومية) معجم مصري جميل قام على إنجازه مجموعة من الأكاديميين المصريين المتخصصين في دراسة الثقافة الشعبية وفريق كبير من الباحثين، ورغم جمال المعجم وحجم الجهد المبذول لإخراجه إلى النور، على مدى خمس سنوات، إلا أن أبرز ما يلفت النظر هو الاسم الجميل والمعبّر الذي اختير للمعجم، فمعاجم اللهجات ليست مجرد شروح لغوية للألفاظ، ففي بطونها توثيق لحياة كاملة تستمع فيها لأحاديث الناس بمختلف فئاتهم، وتعيش معهم مواسم أفراحهم وأتراحهم، وتتعرّف على عاداتهم وفنونهم وطرق تفكيرهم وتدبيرهم لشؤون حياتهم، وقد نقل لنا الدكتور محمد الجوهري، المشرف على المعجم، في مقدمته ما أكد عليه دارسو الفولكلور من أن «اللهجة الشعبية الدارجة هي أحد المجالات التي تبرهن لنا على ثراء العقلية الشعبية، وتدلل على القدرات الإبداعية للخيال الشعبي، وعلى استطاعته أن يبلغ مستويات لا تملكها أدوات التعبير الفصيح في بعض الأحيان».

لا يوجد حتى الآن - حسب اطلاعي -معجم شامل يختص بتوثيق اللغة اليومية المعاصرة في المملكة العربية السعودية، ولكننا نمتلك تجارب مميزة وجديرة بالاهتمام والدراسة، ولعل التجربة الأبرز هي تجربة الشيخ محمد بن ناصر العبودي - متعه الله بالصحة - الذي استطاع بجهد فردي جمع مادة شعبية غزيرة في معاجمه، وتمكّن من توثيق كم هائل من الألفاظ الشعبية التي مات كثير منها وأصبحت غريبة يصعب على الأجيال الجديدة فهمها حين ترد في الشعر الشعبي القديم أو في النصوص التراثية، في معاجم العبودي تفاصيل ساحرة ودقيقة للحياة اليومية التي عاشها أجدادنا، ولم يكن شرح الألفاظ إلا مدخلاً يفضي إلى حياة كاملة امتدت لمئات السنين.

وكان العبودي حاضر الذهن دائماً لتدوين كل ما يسمع من حوله من الكلام الشعبي اليومي الذي لا يُلقي له الناس عادةً أي بال، ونجده، على سبيل المثال، يستشهد في مواضع كثيرة من معاجمه بما سمع من الناس في مجتمعه، ومن ذلك استشهاده في شرح بعض الكلمات بما سمعه من نداءات الباعة وكلامهم. يقول في شرح معنى «ثومة» القلب وهي عضلة القلب: «طالما سمعت القصابين ينادون على قلب البعير قائلين: «من يبي الثومة؟ من يشتري الثومة؟». وفي موضع آخر يقول: «طالما سمعت باعة الغنم في بريدة يشترطون على من يريد شراء العنز أو الشاة أنها (ذبوب)، يقولون: شفها، تراها ذبوب، لا تقول ما علَّمنا». ويقول أيضاً في موضع مختلف: «وطالما سمعت الدلالين ينادون عليه في سوق بريدة: من يشتري الظَّفر؟». والظّفر نوع من الطيب.

ما يميز العبودي في معاجمه أنه أدرك قيمة التراث الشعبي وسعى بكل ما أوتي من طاقة لتدوين المأثورات الشعبية على اختلاف أنماطها، ولم يميز أثناء عمله بين ما يعد متناً وما يعد هامشاً من تلك المأثورات في نظر المتلقين، وهذا الأمر ساهم في حفظ مادة ضخمة ومفيدة من تراثنا الشعبي، ونرجو أن نرى قريباً مبادرات تشجع الباحثين على استكمال دور المبدع الرائد محمد بن ناصر العبودي.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة