.
.
.
.

نداء الدبيبة لمصراتة: آن للمدينة المختطفة أن تعود إلى أهلها

الحبيب الأسود

نشر في: آخر تحديث:

يبدو رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبدالحميد الدبيبة واضحا في تقييمه لموقع مدينته مصراتة من الوضع العام في البلاد، وما ورد في شريط الفيديو المسرّب من اجتماعه بعدد من الأعيان والوجهاء وأمراء الحرب في المدينة ودعوته لهم لقيادة المصالحة الوطنية، إنما يأتي ضمن معرفته طبيعة التحولات الجارية والمنتظرة في سياقات الحل السياسي الذي لن يتحقق جانبه الاجتماعي دون التوصل إلى المصالحة الفعلية وطيّ صفحة الماضي، وإدراكه أن مصراتة لا تستطيع أن تستمر في عزلتها التي اختارتها لنفسها منذ العام 2011 عندما اعتمدت على قوة السلاح والميليشيات والدعم الخارجي ونزعة “المدينة المنتصرة” في مواجهة المدن والقبائل الأخرى، حتى أصبحت منبوذة شرقا وغربا ووسطا وجنوبا، وهو ما دفع بالخيّرين من أبنائها في العديد من المناسبات إلى محاولة بلسمة الجراح بفتح جسور الحوار مع أخوة الوطن.

عندما قال الدبيبة إن مصراتة دخلت حربا أولى وثانية وثالثة، بدفع من أطراف معينة، كان يضع إصبعه على مكمن الداء، فميليشيات المدينة في جانب كبير منها، كانت تخدم مصالح تيار الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان، التي كانت وراء الدفع بها في أكتوبر 2012 إلى تنفيذ القرار رقم 7 سيء الذكر الصادر عن المؤتمر الوطني العام ضد مدينة بني وليد بزعم ضرب الأزلام، ثم إلى الانقلاب على نتائج الانتخابات البرلمانية في صيف 2014 من خلال عملية “فجر ليبيا” للسيطرة على العاصمة وغرب البلاد، وهو ما اعترف به رئيس حزب العدالة والبناء الإخواني محمد صوان الذي ينتمي بدوره إلى المدينة، وإلى دعم الجماعات الإرهابية في شرق البلاد وخاصة في بنغازي ودرنة، عندما كانت الجرافات تنقل السلاح والأفراد إلى مجالس شورى المجاهدين المرتبطين بتنظيم القاعدة.

بصمات ميليشيات مصراتة الدموية لا تزال موجودة في أغلب مدن البلاد، وفي نفوس أبناء القبائل، من تاورغاء التي تم تهجير سكانها بالكامل، إلى الزنتان وورشفانة وورفلة وترهونة والمقارحة والقذاذفة.. وكذلك في العاصمة طرابلس، حيث لا أحد سينسى أحداث قرقور التي جدت في نوفمبر 2013، كما أن شواهد فندق جنات، المقبرة التي دفن فيها المئات إن لم يكن الآلاف من المحسوبين على النظام السابق، والشهادات حول أشكال التعذيب غير المسبوقة في سجون الميليشيات، ودفن جثمان معمر القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه أبوبكر يونس جابر في مكان غير معلوم في الصحراء، ستبقى حاجزا نفسيا واجتماعيا بين مصراتة وبقية المدن والقبائل، وهو ما أشار إليه الدبيبة عندما أكد أن 80 في المئة من الليبيين يشعرون بالكراهية ضد المدينة، وأن لا حلفاء لها إلا بعض المدن القريبة مثل زليتن وتاجوراء.

قبل سنوات، كان الدبيبة قد طلب من الميليشيات في مدينته التخلي عن السلاح والقتال، والجمعة الماضي، تكلم بوضوح أكبر انطلاقا من جملة من المعطيات الواقعية، فهو كرئيس لحكومة الوطنية الجديدة ، يدرك أن مصراتة ليس بوسعها أن تحكم ليبيا بمنطق المدينة المنتصرة سواء في أحداث 2011 أو في ما جاء بعدها، وأن ما يروّج له الجهويون المتطرفون والإخوان الانتهازيون غير قابل للتطبيق على أرض الواقع، فالسلاح لن يكون بديلا عن السياسة، والميليشيات لن تبقى إلى ما لا نهاية، والاستقواء بالحلفاء في الخارج لن يقلب نتائج الانتخابات إلى مصلحة هذا الطرف أو ذلك، ثم إن القرار الدولي بتكريس الحل السياسي بات واضحا والمصالحة في طريقها إلى الإنجاز، ومن يبادر بتزعم مساراتها سيكون صاحب فضل على نفسه وعلى البلاد عموما.

وموقف الدبيبة يأتي كذلك من خلفيته كرجل أعمال، وقد أشار إلى ذلك بالقول إن مصراتة كانت تحظى بإعجاب الليبيين، وهذا صحيح، فمصراتة عرفت دائما بأنها مدينة العلم والعمل والإبداع والابتكار والصناعة والتجارة، وحظيت في عهد القذافي بمكانة مرموقة في إدارة المشاريع العملاقة وتنفيذها، وكانت شاحناتها تنتقل عرض البلاد وطولها بالصناعات المختلفة، لكن ذلك لم يعد ممكنا منذ بدايات الحرب الأهلية، وهو ما أثّر سلبا على مركزها كعاصمة اقتصادية فعلية لليبيا، ودفع برجال الأعمال إلى الاستثمار في الخارج، أو بتركيز كل طموحاتهم على الصفقات الحكومية ضمن منظومة الفساد السائدة في مراكز القرار بطرابلس.

دعوة مصراتة لقيادة المصالحة الوطنية تأتي ضمن سياق عام مبشّر، فما كان طرحه آخر متحدث باسم النظام السابق موسى إبراهيم قبل أسابيع من فتح جسور التواصل مع المدينة وفعالياتها، وما تطرق إليه رئيس المجلس الرئاسي الجديد مع قيادة الجيش وقبائل المنطقة الشرقية خلال الأيام الماضية من ضرورة البدء في تحقيق المصالحة، وما بادرت به بعض القوى الخيرة في مصراتة سواء بالاتصال ببقية القبائل والمدن، أو بالقيام بخطوات فعلية كالإفراج عن الطائرة المدنية التابعة للمنطقة الشرقية والمحتجزة منذ 15 شهرا، واستئناف الرحلات الجوية بين مصراتة وبنغازي بعد خمس سنوات من الانقطاع، يؤكد أن هناك قناعة بأن لا حل سوى جمع الشمل بين كل الليبيين.

لا أحد يحمّل مصراتة كمدينة وزر ما حدث خلال عشر سنوات، لأنها أولا وأخيرا مدينة مختطفة من قبل الميليشيات وقوى الإسلام السياسي وزعماء جهويين يستقوون بالسلاح وبالحليفين التركي والقطري، وبالإيطالي أحيانا، وعند فتح سجلات الأحداث، سيتبين أن هناك من أصحاب النوايا الطيبة من كانت لهم مواقف وطنية وإنسانية راقية غطت عليها جمهرة المتشنجين والمتطرفين.

ما قاله الدبيبة لأهل مدينته، كان توصيفا واقعيا، هناك من يرفضه، ولكن هناك الكثير ممّن يدعمونه، وخاصة من الأغلبية الصامتة، ومن المدركين لطبيعة المرحلة، ومن الراغبين في طي صفحة الماضي والعودة إلى أحضان الوطن.

لا ليبيا دون مصراتة، ولكن الأهم أن لا مصراتة من خارج ليبيا، ومستقبل مصراتة مع عموم الليبيين شرقا وغربا ووسطا وجنوبا، حضرا وبدوا، سبتمبريين وفبراريين، وليس مع أقلية الإخوان أو أطماع أردوغان.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة