.
.
.
.

«كرومر» والإسلاميون

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

بعد أن صار عباس حلمى خديو مصر، اصطدم بالمعتمد البريطانى العتيد، لورد كرومر. كان «عباس» صغير السن، لم يكن بلغ الثامنة عشرة حين تُوفى والده الخديو توفيق، فى يناير 1892، وكانت هناك مشكلة فى أن يشغل موقع والده، وكان ممكنًا لفرنسا وروسيا، المناوئتين للوجود البريطانى فى مصر، استغلال تلك الثغرة للتدخل مع الدولة العثمانية فى حكم مصر بتشكيل مجلس وصاية إلى أن يبلغ ولى العهد السن، لكن أحدهم همس فى أذن «كرومر» بأن «عباس» حاكم مسلم، لذا يمكن احتساب عمره بالسنوات الهجرية، وهكذا ثبت أنه بلغ الثامنة عشرة قبل وفاة والده بحوالى أسبوعين، وجلس على كرسى الخديوية. تصور «كرومر» أن هذا الشاب الصغير، العائد من فيينا، حيث أرسله والده للدراسة، عديم الخبرة، سوف يكون مُمْتَنًّا وطَيِّعًا له ويعتمد عليهم فى كل شىء، ويكون صورة أخرى من والده، لكن بدأت تصدر عنه، وسط حاشيته، تصريحات غير ودية تجاه الإنجليز، ويتسرب ذلك إلى الصحف المصرية، وأخذ كبار الموظفين يرددون أقواله.

صدرت عن الخديو كلمات فى حق والده محمد توفيق تنم عن عدم الرضا عن سياسته مع الإنجليز، بتعبير «كرومر» «احتقار والده»، ثم أقدم على إقالة نظارة (وزارة) مصطفى باشا فهمى، دون التشاور مع «كرومر» أو الرجوع إليه، واختار أحد المُقرَّبين إليه، تجران باشا، الذى كان يكره الإنجليز، هنا اعترض «كرومر» بشدة، ولم يذكر للخديو السبب الحقيقى، صارحه بأن «تجران» مسيحى ولا يصح أن يكون ناظر النظار فى بلد أغلبيته من المسلمين، لكنه لا يمانع أن يكون وزيرًا، واستجاب «عباس» وتقبل «تجران» الأمر، وكان أن اختير فى النهاية- وبعد تدخل لندن- رياض باشا ناظرًا للنظار.

لكن «عباس» ومعه مصطفى رياض استمرا فى إعلان التململ بالاحتلال البريطانى، والتف الرأى العام حول الخديو، وسانده الأعيان والعمد، مما أقلق الإنجليز، خاصةً أن بعض الأصوات بدأت تطالب فى الصحف الوطنية بضرورة إنهاء الاحتلال، واعتبار أن عشر سنوات من الاحتلال تكفى، ولم يعد هناك أى مبرر لاستمرار وجوده بمصر، وأخذت المطالبات فى الحديث أحيانًا بلسان الحقوق العثمانية فى مصر، وبدا أن حركة وطنية تتكون لمواجهة بريطانيا. تفاءل الوطنيون بالخديو الشاب.

وعقب خلع عباس حلمى سنة 1914، مع قيام الحرب العالمية الأولى وفرض الحماية على مصر، أصدر «كرومر» فى العام التالى كتابًا عن عباس حلمى، ترجمه إلى العربية ماجد محمد فتحى، وأصدرته مكتبة الآداب، ذكر فيه «كرومر» تفاصيل الكراهية المُتبادَلة بينهما، ويشير فيه إلى ما سماه «حركة إسلامية» كانت قيد التشكُّل حول «عباس». الذى جعله يخلص إلى ذلك أن بعض الأحاديث فى الصحف كانت تركز على أن البريطانيين مسيحيون يحكمون مصر، لم يكن هو يريد أن يركز على أنهم يحتلون مصر وأن القضية لديهم هى الاحتلال وليس اختلاف الدين، والدليل أن هؤلاء الرافضين للاحتلال كانوا يعولون على مساندة فرنسا لمصر. هو نفسه شهد للمصريين كثيرًا بالتسامح والاعتدال، يقول فى كتابه هذا: «معظمهم مسلمون متسامحون، وتفكيرهم به انطباعات حرة جدًا عن الدين».

الخديو نفسه قرر إسناد الحكومة إلى «تجران باشا»، ولم يجد غضاضة فى أنه مسيحى، كان أرمينيًا أيضًا، لكن الذى حذره منه هو «كرومر» بسبب الديانة، وإن لم يكن ذلك هو السبب الحقيقى، لكنه السبب الذى أُعلن.

اقتنع «كرومر» بأن حركة إسلامية تتشكل، وحدد طريقة تعاملهم معها، يقول: «خير ما يجب عمله وتقضى به الحكمة ألا نقف بقوة فى وجه الحركة الإسلامية التى أثارها سلوك الخديو، بل يجب العمل على إرشادها وقيادتها».

تلك لحظة البداية المبكرة، فى نهاية القرن التاسع عشر، الإرشاد والقيادة. لكن السؤال: كيف وعلى أى نحو؟ يجيب هو بالقول: «مجال الاختيار لمَن يصلح لهذه القيادة محدود، فالمصريون المتفرنجون لا نفوذ أو تأثير لهم بين المسلمين. ولا يوجد بين طبقة المُعمَّمين رجل له من التعليم والخبرات ما يؤهله للارتقاء إلى منصب وزير».

سوف يجد هو الحل فى اختيار رياض باشا ليقوم بعملية الإرشاد والقيادة، لكن رهان «كرومر» أخفق، فقد كان «رياض» يحمل مشاعر سلبية أيضًا تجاه البريطانيين، وسوف يجارى الخديو فى ذلك.

السياسة البريطانية لعبت جيدًا بالملفات الدينية فى المستعمرات، الهند نموذج شديد الوضوح، كانت اللعبة هناك الهندوس فى مقابل المسلمين، فى مصر لم تكن هناك فرصة للعبة مشابهة، مسلم/ مسيحى، المجتمع المصرى من هذه الناحية شديد الصلابة، عميق الوعى، وباعترافه هو بأن المسلم والقبطى سِيَّان، الفارق بينهما أن هذا يذهب إلى المسجد وذاك يدخل الكنيسة، لكن هم لا يعلمون. دائمًا يجدون الثغرة، حتى لو اختلقوها، هنا سوف يأخذ تحركهم منحى وثنائية أخرى هى: وطنى/ إسلامى.

مبكرًا جدًا نسجوا علاقات مع مختلف الأطراف، ساندوا الشيخ محمد عبده فى مشروعه الإصلاحى، نكاية فى الخديو عباس حلمى، لكن طبقًا لـ«كرومر» فى كتابه «مصر الحديثة»، ما كانوا يراهنون على الشيخ محمد عبده بسبب ماضيه فى الثورة العرابية، وأن «بلنت» ذكر فى كتابه أن محمد عبده صارحه بأنه فكر مع «الأفغانى» فى اغتيال الخديو إسماعيل أثناء مرور عربته على كوبرى قصر النيل، لكننا نعرف أنهم وثّقوا علاقتهم، خاصة سنوات الحرب العالمية الأولى، مع محمد رشيد رضا، وحدث تفاهم وتنسيق معه بخصوص «سايكس/ بيكو».

حتى قيام الحرب العالمية الأولى، كانت الحركة الوطنية المصرية محدودة، لنقُل إنها كانت ضعيفة، منذ سنة 1904 ساد التفاهم والتراضى مع الخديو عباس، ثم ارتفع الصوت الوطنى مع مصطفى كامل، خاصة أثناء حادث دنشواى، بما أدى إلى الإطاحة بـ«كرومر» من مصر، وقام الإنجليز بعدها بالتهدئة من جانبهم، ثم تُوفى الزعيم مصطفى كامل، لكن بعد انتهاء الحرب سنة 1918، هبّت الحركة الوطنية قوية وعفِيَّة مع ثورة 1919، وانحنت بريطانيا أمام الثورة العظيمة، لكن على عادة بريطانيا العظمى، كان لابد من بحث عن شقاق داخل الحركة الوطنية، هنا تظهر الحاجة إلى ما أطلق عليه كرومر «الحركة الإسلامية»، وطبقًا لـ«كرومر»: «يجب العمل على إرشادها وقيادتها»، هنا يمكن أن نرتب بعض الوقائع، وفاة سعد زغلول صيف سنة 27، يتم اختيار النحاس باشا خلفًا له، الحرس القديم بالوفد وقتها لم يكن مُرحِّبًا بهذا الاختيار، سنة 28 يظهر على المسرح حسن- أفندى- البنا، تلميذ رشيد رضا، وثيق الصلة بهم، يحمل «البنا» المواصفات التى حددها «كرومر»، ليس متفرنجًا وليس مُعمَّمًا، أى لا ينتمى إلى المؤسسة الدينية الرسمية. كان يحمل كراهية للأزهر منذ أن رسب فى اختبار الالتحاق بالأزهر، كان الاختبار فى حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم.

كانت رسالة بريطانيا العظمى للمصريين بمختلف أطيافهم هى ألا تناقشوا مسألة الاحتلال، فكِّروا فى الإصلاحات الداخلية والدستور، هذا ما سمعه الزعيم محمد فريد من الليبراليين الكبار فى لندن سواء من الصحفيين والكُتاب أو السياسيين، وهذا أيضًا ما جاء من أجله لورد ملنر إلى مصر بعد ثورة 1919، وقالوه لسعد زغلول فى البداية، ولم يقبل به.

«الحركة الإسلامية»، بتعبير «كرومر»، سارت على هذا النهج، حسن البنا ركز على الشىء نفسه، ولكن بطريقته هو. عدونا من داخلنا، يجب أن نركز على مواجهة الانحلال والإلحاد أولًا، الزعماء وقادة الأحزاب هم المشكلة وعلينا التخلص منهم، لكن أين الاحتلال والكوارث التى جلبها علينا، وماذا عن المحتل وكيف نتعامل معه؟ لا شىء لديه.

لاحظ أنه كان هناك تيار فى مصر، كان محدودًا، رفع أصحابه شعار الزواج الكاثوليكى بين مصر وبريطانيا، الواضح أنه لم يكن مقصورًا فقط على الشخصيات المعروفة. فى «المرايا»، رائعة نجيب محفوظ، نجد اثنين من التجار كانا يعيشان على تلك المقولة، تاريخيًا لم يقترب حسن البنا وميليشياته من هؤلاء بأى سوء، لكنهم اغتالوا النقراشى وأحمد ماهر، وهما مَن أصدر الإنجليز عليهما حكمًا بالإعدام، وأنقذهما سعد زغلول بالعفو حين تولى الحكومة.

ويبدو أن مدرسة «كرومر» فى هذا الاتجاه- «الإرشاد والقيادة»- مازالت قائمة، لاحظ أن لندن هى العاصمة الآمنة والحاضنة لرموز الإسلام السياسى، الإخوان تحديدًا، فمصطلح «لندنستان»، الذى شاع منذ نهاية السبعينيات، لم يظهر من فراغ.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.