في دلالات واقعة "السطو" على اللقاحات

راغب جابر
راغب جابر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

مسألة خرق مجموعة من النواب اللبنانيين بروتوكول التلقيح ضد كورونا وقوطبتهم على الإجراءات المعلنة التي تعهدتها وزارة الصحة للحصول على تمويل البنك الدولي للقاحات، تحمل مدلولات معبّرة، على الرغم من كونها عملياً "حادثة" محدودة جداً من جملة " الحوادث" التي يعيشها هذا البلد المنكوب والمبتلي يومياً.

أولى الدلالات أن أهل السياسة، في السلطة وفي المعارضة، يعيشون في عالم منفصل تماماً عن الواقع الشعبي، وكأن لا شيء يحدث في البلد منذ سنة ونصف السنة. حال التجاهل هذه التي تحمل في ثناياها الكثير من الاحتقار لمشاعر الناس واللامبالاة تجاه ما يمكن أن تكون ردود فعلهم، تعكس إما انفصاماً تاماً أو جهلاً أو تعالياً يصل الى حد إنكار الوجود.

ثانية الدلالات أن العقلية التي تدير البلد ما زالت هي هي لم تتزحزح قيد أنملة. عقلية تخطي المؤسسات والأصول والتعدي على الصلاحيات واعتماد مبدأ "الأوامر من فوق" لتسيير المرافق. بالمشبرح، إنها عقلية "السلبطة" والتسلط. فعبثاً يحاول وزير الصحة واللجنة الوطنية لمكافحة كورونا، وضع أطر وقواعد ويدعيان الحزم في تطبيقها. الجالسون فوق وفي الغرف "المعروفة المجهولة" يرفعون سماعة الهاتف ويأمرون بلا مناقشة ويقفلون الهاتف وما على "المعنيين" إلا التنفيذ.

الدلالة الثالثة أن كلهم في الرياء سواء. فالباقة الملقحة من النواب تشمل مروحة من الأطياف المتصارعة سياسياً والتي لا تلتقي على شيء. وصلوا تباعاً، تلقوا اللقاح المجاني، ربما تسايروا قليلاً على فنجان قهوة، متناسين خطاباتهم في العفة والإصلاح، ثم غادروا وكأن شيئاً لم يكن، ليعودوا الى صراعاتهم العبثية المدمرة وتنظيراتهم المعقدة غير ذات الجدوى وتبريراتهم الوقحة المخاتلة.

الدلالة الرابعة هي تفاقم حال الاستكانة العامة في البلاد التي وصلت الى حد الاستسلام، وهو ما يدركه السياسيون جيداً ويستغلونه الى أقصى الحدود. مر الحدث مع بعض الجلبة والاعتراض وكثير من الثرثرة على مواقع التواصل الاجتماعي. غاب المتورطون قليلاً عن الواجهة وغداً يعودون من أبواب واسعة وكأن شيئاً لم يكن، فيخطبون في الجماهير ويطلون في برامج الحوارات السياسية وبرامج الفضائح والمنوعات وحتى في برامج التنجيم. السياسيون في لبنان عامة ما أشطرهم! إنهم يملكون كل شيء. المال والسطوة والدهاء والخبرة وقلة الضمير.

الدلالة الخامسة، وهي دلالة إيجابية، لكن تأثيرها قليل الفاعلية حتى الآن، هي اليقظة الإعلامية والجرأة التي تميّزت بها المحطات التلفزيونية في تسمية الأشياء بأسمائها وكشف المستور. هذه الجرأة "فشّت خلق الناس"، ولعلها، مرة بعد مرة، وفضيحة بعد فضيحة، تخلق رأياً عاماً متحركاً. نعم هناك رأي عام لبناني عارم ضد الفساد والتجاوز، لكنه رأي عام سلبي ونائم لن يصبح إيجابياً إلا إذا أدى الى ثورة حقيقية.

نعم. كان الحدث محدوداً وضرره كذلك، لكنه يرقى الى مستوى الفضيحة بمقاييس الأخلاق والمناقبية واحترام حقوق الإنسان. لماذا لا نقارن أنفسنا بأسباني أو بأي دولة استقال مسؤولون كبار فيها لأنهم حاولوا أخذ اللقاح بغير دورهم بدل تبرير الخطأ بخطأ أفظع.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط