.
.
.
.

عن بناء الدولة وليس عن رغد صدام حسين!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

كأي موضوع في الفضاء الإنساني ينقسم الناس حوله الى ثلاث فئات، مؤيد لا يرى في الخطايا إلا مميزات، ومعارض لا يرى في المميزات إلا خطايا، وثالث متمهل يستخدم عقله لا عاطفته في فهم ما يدور حوله، هذا المقال موجه للقسم الثالث. الموضوع هو حديث رغد صدام حسين الى تلفزيون "العربية" وما أثاره من نقاش وإن كان موصولاً بكتاب مذكرات حفيدة صدام حسين حرير حسين كامل.

المدخل لقاء في الثلث الأخير من شباط (فبراير) 1996 في بيروت وكانت أيام عيد، وبدعوة من زميل بيروتي اجتمعنا في بيته على العشاء وكان الحاضرون ثلة من المثقفين اللبنانيين والعرب، ودار النقاش حول موضوع الساعة "عودة حسين كامل الى العراق ووعد صدام حسين بالعفو عنه" ناقش تقريباً خلاله الجميع فكرة العفو على أن بلادنا العربية تفتقر لسلوك الدولة، وكان لدينا دولتان المغرب ومصر، وبسلوك الدولة العراقية بالعفو أصبح لدينا ثلاث دول كما قالوا، فالعراق لحق بالركب.

ناقشت بعكس ذلك، قلت إن العفو ظاهري والمحاكمة سوف تتم ويعدم الرجل، واحتدم النقاش. بعد العشاء صديق مرافق قال لي: هل تريد أن تقنعني أن كل هذه العقول على خطأ وأنت على صواب؟ قلت لقد قلت اجتهادي! بعد أيام قلائل عرف كل العالم الحكاية والتي وثقتها حرير حسين كامل في كتابها "حفيدة صدام"... كنت اعتقد أن المذكرات "مصنوعة" ولكن عندما أكدت رغد صدام حسين أنها لابنتها، وأنها لم تتدخل إلا لماماً في سرد الأحداث، صار يقيناً أن حرير هي الكاتبة. الكتاب في توصيفي للمشاهد التي روتها الكاتبة "مرعب" ولا ينصح لذوي المشاعر الرقيقة قراءته، لأنه يفوق خيال أكبر مؤلف لقصص الرعب، وفي ظني لو تحول الى فيلم بإخراج جيد لحاز على الجوائز.

موضوع حكم صدام حسين في العراق أصبح وراءنا وقد روي فيه وحوله حتى الآن العدد الضخم من الروايات، ومتروك للمؤرخين الفصل في صحيحها من الملتبس، كعادة التاريخ يهال كثير من الغبار على الحقائق، ولكن السؤال الأكثر الحاحاً لأي عاقل ومهتم بتطور العرب الحديث هو: هل قام صدام حسين بمحاولة لبناء دولة حديثة؟ والسؤال الأكثر اتساعاً ألا نرى من الشواهد أن ما حل بالعراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا وربما في أماكن أخرى ما هو إلا عنوان كبير يمكن أن يكون "الفشل في بناء الدولة الحديثة"؟ لنأخذ العراق مثالاً لأن الفشل في بناء الدولة ودراسته يحتاج الى جمهور باحث ومحايد يعكف سنيناً على بناء "نموذج الفشل" وأسبابه.

مثال العراق بالغ الوضوح من مذكرات الحفيدة، ففي مكان تقول إن جدها كان يرى ويؤكد أن عائلة الرئيس يجب أن تعيش مثل عوائل العراقيين، شعار متميز ومرحب به. في الواقع تأتي على احداث تناقض ذلك تماماً، تقول إنها القت كلباً أليفاً من الطابق الأعلى لترى إن كان جسمه مرن كما في مسلسل تابعته... يحدث ذلك ولا غرابه، ولكن ليس كل العائلات العراقية يتوفر لكلبها المصاب أن يُنقل على الفور الى فرنسا كي يعالج ويعود من جديد وعلى حساب الدولة! أن يكون للبعض مزارع فهو طبيعي، إما أن يكون للمتنفذين مزارع الى درجة أن مزرعة الدواجن التي تركها حسين كامل أصبحت تقدم أفضل انتاج يُقبل عليه العراقيون! كما لا يتوفر لجدة عراقية السفر في طائرة خاصة كما كان سفر جدة حرير وفق قولها، وقصص متعددة في المذكرات من هذا النوع للأخوال والأقرباء، وكان معظم التراجيديا قادماً من خلاف الأقربين على المصالح التجارية وكسب المال، وهي قصص جعلتني في البداية أبدي شكي في صدق الراوي الى أن أكدتها السيدة رغد.

تقول المذكرات إن الأمن في العراق كان مستتباً بالمقارنة بالوضع الحالي ـ وليس دفاعاً عن الوضع الحالي ذلك ملف آخر ـ ولكن كانت الناس مرعوبة، بل كان الجميع مرعوباً، فنظام صدام الذي تحول بامتياز الى نظام عشائري، كان مخيفاً وخائفاً في الوقت نفسه، فهو لم يكن كما تقول حرير ينام ليلتين في بيت واحد. البيوت البديلة أصبحت ظاهرة في عراق البعث - العشيرة، ولم يكن يتناول الطعام إلا بعد ان يأكله آخرون خوفاً من الخيانة! وأما الزائر من الخارج لمقابلة الرئيس، فعليه أن يركب ثلاث سيارات مختلفة، لا يعرف أي سائق منها أين الهدف الأخير إلا السائق الأخير الموثوق، كما أن تلوّث مياه العراق جعل النظام ينشئ له بحيرة اصطناعية خاصة، ليمارس الجد هوايته في صيد السمك!

لقد فرّط صدام ومن حوله في أهم مورد من موارد بناء الدولة وهو حياة الناس، فلم يكن الإعدام إلا النهاية الطبيعية لمن يشك فيه أو يتفوه بنقد... المجتمع المذعور لا يمكن أن يبني دولة، يصبح المجتمع جرذان خائفة، بصرف النظر عن الشعارات الكثيفة، تلك نتيجة توصلت إليها التجربة الإنسانية، وما حدث خلف الستار الحديدي، من رومانيا الى أوكرانيا، وفي غيرها من المجتمعات القمعية أنها تسقط في النهاية حيث يصبح الكل غير آمن شاكٍ ومشكوك به... القمع ينتج قمعاً مضاداً وبالدرجة نفسها وبقوة عكسية، كما حدث في منطقتنا، من أفغانستان الى العراق الى سوريا الى ليبيا وغيرها.

العبرة في تحدي بناء الدولة الحديثة العادلة، وبناء المؤسسات وإقامة العدل، ومن الواضح أن ذلك حتى اليوم بعيد المنال في ظل ثقافة سياسية أحادية لا ترغب ولا تقبل الرأى الآخر، والمطلوب أن تقوم مراكز البحث عندنا ومن يتمتع منها بسقف معقول من الحريات، وضع ملف استعصاء بناء الدولة الحديثة بمؤسساتها للدراسة والمناقشة العلمية. ومثال على إهمال الأصل والتعلق بالهوامش، فقد صرف الكثير من الوقت في ما قالته رغد حول الماضي، وقد عانت الأهوال ولجأت الى "هاجس البراءة" والذي يمنع النطر الى الأمور بواقعية ووضع نظام قمعي في موقع "المظلومية"! ولم يصرف جهداً في المناقشات اللاحقة ولا حتى جزئياً لما هو أعظم وأكثر فائدة وهو الحديث عن المستقبل... يبدو أننا نعشق الماضي الى حد التماهي ونتجاوز المستقبل وكأنه لن يأتي!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة