.
.
.
.

ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين

سعاد فهد المعجل

نشر في: آخر تحديث:

استدرجني مقال حول الشيخ «حسن البنّا» وصفه بالإمام الشهيد، لأن أبحَثَ في جذور نشأة «البنّا» لأطّلع على مدى استحقاقه تاريخياً صفة «الشهادة»، وبالطبع فقد قادني البحث بالإضافة للبنّا إلى سيد قطب وللجماعة بشكل عام.

يسرد د. رفعت السعيد في كتابه «الزعامات السياسية المصرية» في فصل كامل سيرة حسن البنّا منذ طفولته.. عبر صباه وشبابه ونشاطه السياسي، مستعرضاً في البداية بعض المبالغات بشأن الشيخ في مرحلة الطفولة، مثل يوم استيقظت أمه وهو طفل لتجده نائماً وبجواره ترقد أفعى ضخمة لم تمسسه بسوء، ويوم جَمَحَ به فرس بشكل يؤدي لهلاك أي شخص لكنه نجا من الموت.. وهكذا يتناول الكتاب الحقبة التي نشأ فيها «البنّا»، والتي كانت مصر قد أنجبت فيها من التنويريين من استطاع أن يوفّق بين العلم والدين وبين العقل والإيمان.. حيث رفع الشيخ محمد عبده لواء العقل، مشيراً إلى أنه إذا كان المسلمون لا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة.. فلا بد لهم أن يتسلّحوا بما يتسلّح به غيرهم.. وأكبر سلاح في الدنيا هو العلم.. وأنه من دون استخدام العقل سوف يتعذّر على المسلمين تحقيق أي تقدّم أو تطوّر. لكن برحيل محمد عبده خرجت دعوات مغايرة كدعوة «رشيد رضا»، الذي يطالب بأن تكون السيادة المطلقة في الدولة الإسلامية لأولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم.

يتخرج الشيخ «حسن البنّا» في دار العلوم ويُعيّن مدرساً ابتدائياً في عام 1927.. ومع حلول مارس 1928 يعلن لأتباعه: «نحن أخوة في الإسلام.. ومن ثَمّ نحن الإخوان المسلمون».. والمثير في هذه النشأة أن أول تبرّع مالي تلقّته الجماعة كان من شركة قناة السويس الفرنسية آنذاك، وهي جهة بالطبع ليست مسلمة.. وهو ما أكّده حسن البنّا حين أعلن أن التبرع كان خمسمئة جنيه.

يجادل د. رفعت السعيد بأنه، وبرغم إنكار الجماعة في البداية لتعاملهم بالسياسة، إلا أنه وفي المبادئ الجوهرية كان الإخوان يتلاعبون تلاعب السياسيين غير المبدئيين.. وأن خطّهم الثابت هو المناورة بين الجميع والتلاعب بالجميع.. فلقد قدّم لهم اسماعيل صدقي عوناً مادياً ومعنوياً كبيراً في بداية نشأة الجماعة.. وانه كانت تربطهم علاقات حميمة بعلي ماهر.. داهية القصر والموصوم بعلاقات خارجية يحيطها الجدل.. وأن التظاهرات التي اختلفت مع النحاس باشا ودعمت قصر عابدين كان الإخوان من يقودها بهتافات «الله مع الملك»، وأن اتصالاً تم بينهم وبين الإنكليز الذين أبدوا استعدادهم لتقديم عون مالي للجماعة.

أما علاقة الإخوان مع العنف، فيؤكد الكاتب أنها بدأت مع أول نشأتهم مستشهداً بوقائع وأقوال تؤكّد ذلك، منها ما جاء على لسان حسن البنّا الذي يقول: «لم يكن السيف في يد المسلم إلا كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الاجتماعي»، أما في رسائل التعاليم فيحدّد حسن البنّا واجبات الأخ المجاهد: «ومنها بأمر العضو بمقاطعة المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي والأندية والصحف والجماعات والمدارس التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعه تامة.. وأن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك».. مما يطرح بالطبع تساؤلات مشروعة هنا حول مبررات الإعانات والتعاون مع فرنسيين وإنكليز وهم من غير المسلمين بالطبع!

لذلك يؤكد د. رفعت السعيد، وبناء على تفاصيل كثيرة أوردها في كتابه، أن جوهر فكرة التكفير ومن ثَمّ المفاصلة مع المجتمع والعنف ضده.. قديمة قِدَم الدعوة ذاتها.. وأن الذي أرسى أساسها هو مؤسس الجماعة نفسه.. الأستاذ «حسن البنّا»، وأن الذين يتصورون أن «سيد قطب» وفكره التكفيري قد كان شارداً عن خط الجماعة هم لا شك واهمون.. فسيد قطب وضع الكلمات في موضعها.. ولا يعرف المساومة كالذين سبقوه، فهو القائل «إن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات.. مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي»، وبالطبع يدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات الأخرى!

للتاريخ.. لم يشارك الإخوان في حرب فلسطين كما يروّج مريدوهم.. وإنما أسهموا في إذكاء مشاعر عنصرية ضد اليهود المصريين.. وحاولوا.. وفقاً للدكتور السعيد جهد طاقتهم، تحويل المعركة من عرب ضد استعمار وصهيونية.. إلى مسلمين ضد يهود، خاصة في داخل مصر، فاشتعلت المحال التجارية وتوالت التفجيرات واتُّهِمَت الجماعة بمقتل أكثر من سياسي، ونسف العديد من المنشآت التجارية والفنادق والاعتداء على رجال الأمن.. فأصدر الحاكم العسكري «النقراشي باشا» قراراً بحل الجماعة ورفَضَ كل محاولات «البنّا» الالتقاء به فجاءت الرصاصة القاتلة التي قتلت «النقراشي باشا» كما قتلت أحمد ماهر والخازندار.

مقتل «حسن البنّا» فيما بعد، بقي ولا يزال غامضاً.. هل جاء القتلة من داخل الجماعة إثر بيانه الذي قال فيه: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»؟ أم أن هنالك أطرافاً أخرى لا تزال مجهولة؟!

الشهيد في المصطلح الشرعي هو من مات في سبيل الله دون غرض من الدنيا.. وهو أمر لا نتصور أنه ينطبق على الأستاذ «حسن البنّا»، خاصة في ضوء التفاصيل التي أوردها الدكتور رفعت السعيد في كتابه، كما فعل غيره من داخل الجماعة وخارجها.. وهي تفاصيل تشير إلى انغماس الجماعة ومريديها في أغراض الدنيا من سياسة واقتصاد ومال وإدارة.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة