.
.
.
.

إيران في عهد الرئيس بايدن

محمد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

السؤال الذي يشغل النخب الأمريكية في واشنطن حيث صناعة القرار الأمريكي فحواه: هل بالإمكان تقليم أظافر إيران، وتحويلها من الثورة إلى الدولة إذا وقَّع الرئيس بايدن اتفاقاً بشأن منع إيران من امتلاك السلاح النووي؟.. لا أعتقد، فملالي إيران مثل الأفاعي السامة الخطيرة، لا يمكن أن تستأنسها وتدجنها إلا إذا اقتلعت أنيابها تماماً، هذا ما تنبه له حواة الثعابين عندما استأنسوها لأول مرة، فدون أن تقتلع أنيابها لا يمكن للحاوي مهما كان ماهراً أن يُلاعبها. هذه الحقيقة لا يبدو أن الرئيس بايدن ولا من يشاركونه في صناعة القرار الأمريكي يدركونها.

بايدن وإدارته، خاصة الشق اليساري من الحزب الديمقراطي، ما زالوا يأملون استمالة الملالي إلى معسكرهم وانتشالهم من المعسكر الصيني - الروسي، إذا هم غضوا البصر عن جرائم حقوق الإنسان، والاغتيالات التي يمارسها الملالي في الداخل الإيراني وكذلك في الخارج، كما أن الرغبة في التوسع والتمدد هو بالنسبة لهم ثابت من ثوابتهم، يعتبرون التخلي عنه تخلياً عن تعليمات الخميني، وانطلت على الأمريكيين - كما يظهر - حيلة التجاذبات بين التيار المنفتح وبين التيار المحافظ، بينما هم متفقون تمام الاتفاق في الغايات والوسائل، وليست لعبة التيارين المتضادين إلا لذر الرماد في العيون؛ فملالي إيران جميعهم وبلا استثناء ما زالوا يحلمون بإقامة الإمبراطورية الفارسية الكبرى، وفي سبيل هذا الهدف لا يُمانعون في تسخير كل الجهود والأموال للوصول إلى هذه الغاية، حتى وإن اضطروا إلى الصبر وتجرع السم، كما فعل الخميني عندما وقَّع مع العراق اتفاقية إيقاف الحرب بينهما، واقتناص الفرص وتمهيد السبل وركوب أية وسيلة من أجل أن يعيدوا هذا المجد الفارسي التليد، الذي يسيطر على ذهنية أغلب نخب الفرس هناك، ولعل هذا الهدف هو الوحيد الذي يتفق عليه الملالي مع القوميين الفرس.

السؤال الذي ما زال في الحقيقة يُحيرني، ما السبب وراء اندفاع الأمريكيين الديمقراطيين خلف إيران اندفاعاً غير مبرر اضطرهم - كما هو الوضع الحالي - إلى التضحية بحلفاء تاريخيين مثل إسرائيل ودول الخليج وفي المقدمة المملكة؟.. هناك كثير من الأطروحات التي يقول بها بعض المحللين، ومؤداها أن اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة يملك من النفوذ والقوة ما أوصل إيران إلى هذه المكانة والنفوذ التي هي عليها الآن، أما الرأي الآخر فيقول من يتبنونه إن القدرة على الثبات والصمود ومقاومة الضغوط كوّنت نموذجاً يستدعي الاحترام والإعجاب؛ الأمر الذي أدى مع الزمن إلى أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهناك رأي ثالث وهو الأرجح بالنسبة لي هو أن الأمريكيين يطمحون إلى استمالة إيران إليهم في معركة تجاذبهم مع المعسكر الصيني - الروسي، الذي هو الهم الأول بالنسبة لصناع القرار الأمريكي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.. قد أقبل هذه الأسباب، إلا أن اللوبي الإسرائيلي لوبي نافذ وقوي ومتجذر، وغني عن القول إن الإسرائيليين يعتبرون صراعهم مع إيران صراعاً وجودياً، والسماح لإيران بامتلاك السلاح النووي يعني تهديداً حقيقياً للأمن القومي الإسرائيلي؛ وليس لدي أدنى شك أن الإسرائيليين لن يسمحوا لإيران بالحصول على هذا السلاح، حتى لو اضطروا إلى توجيه ضربة لإيران منفردين، لأنهم يعلمون يقيناً أن أي نزاع عسكري مع إيران سيضطر الولايات المتحدة إلى الدخول في الحرب، وإن كانت لا ترغب فيها.

كما أن هناك نقطة في غاية الأهمية، أرى أن كثيراً من المحللين يغفلونها، وهي احتمال موت المرشد الإيراني علي خامنئي، ولا سيما أنه متقدم في العمر ومصاب بمرض السرطان، غياب الخامنئي سيصعّد من تنافس التيارات السياسية في جمهورية الملالي، ولا سيما أنه الممسك الحقيقي بخيوط اللعبة، ولا يُعرف من سيخلفه، وعلى الرغم من أن آية الله إبراهيم رئيسي هو المرجح الأقوى حظاً، إلا أنه لا يحظى بإجماع، ما قد يُدخِل الجمهوية برمتها في صراع داخلي يضطر فيه جنرالات الحرس الثوري إلى «التكويش» على السلطة، وإبعاد المعممين، والإتيان بولي فقيه يسيطرون عليه.

إيران وتطوراتها مفتوحة على كل الاحتمالات، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمآل معين لمستقبل هذه الدولة الكهنوتية المحضة.

إلى اللقاء

نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.