.
.
.
.

برنامج متواضع نحو إصلاح الأجهزة الأمنية

غالب حسن الشابندر

نشر في: آخر تحديث:

في حلقات سابقة تعرَّضتُ الى جملة مؤشرات تحول دون تأسيس منظومة أمنية مهنية ناجحة ، تؤدي أدوارها الرئيسة بأمانة واقتدار ، وكان من هذه المؤشرات التضخم الوظيفي ، والمحسوبية والمنسوبية في التعيين والتوظيف ، والاختراق الحزبي والأسري ، والتمحور الشخصي ، وانعدام التنسيق بين مخنلف الأقسام والجهات الأمنية والارتباط بأجهزة خارجية ، وغيرها ...

هناك مؤشر آخر ، هذا المؤشر يحتل خصوصية مهمة في تأصيل العمل الأمني ، وتوطيده حرفياً ووطنياً وإنسانياً ، ذلك هو الثقافة ، ولا أقصد بالثقافة هنا ما جاء في تعريفات علماء الانثروبولجيا والاجتماع ، وإنما ثقافة الاختصاص ، فالاختصاص بعلم من العلوم أو مهنة من المهن أو حرفة من الحرف لا تعني مهارة نظرية وتطبيقية فقط ، كان يكون هناك الطبيب المختص ، العارف باختصاصه علمياً ،البارع في تطبيقه ، بل أن يكون مثقفاً بما يتصل بالطب كونها مهنة إنسانية ، وكونها حاجة اجتماعية ، وكونها أمانة وشرفاً ، وإن الطبيب الناجح ليس فقط هو العالم بما اختص به من مرض ، وبارع في التشخيص وتحديد العلاج ، بل هو الذي يتعامل مع مريض وليس مرضاً ، يتعامل مع إنسان وليس مع بدن خالص ، وإلى غير ذلك من مقتربات تصب في هذا المعنى للطب والطبيب.

المنتسب الأمني ليس موظفاً كلاسيكياً ، يؤدي دوره كأنما ماكنة ، تأدية واجب ، يباشر عمله في ساعة محددة ، وينتهي من عمله في ساعة محددة ، بل المنتسب الأمني أكثر من ذلك بكثير ، وإن ما يكمِّل عمله ، أو يرتقي بوظيفته هو الثقافة ، ليس الثقافة بالمعنى التقليدي ، فهذه الثقافة مطلوبة بحد ذاتها سواء بالنسبة للمنتسب الأمني أو غيره ، بل هي حاجة إنسانية ، بل المقصود كما شبّهنا بثقافة الطبيب الناجح ، أي ثقافة أمنية ...

فهذا المنتسب يجب قبل كل شيء أن يعرف معنى ( الأمن ) ، حيث تطور كثيراً كأفق ومضمون وهدف ، فهناك أمن الوطن ، وأمن الأسرة ، وأمن الشارع ، وأمن الثقافة وأمن الشعب ، وهكذا ... أما إذا اقتصر معناه فقط في حماية الوطن بالمعنى الكلاسيكي فهي ثقافة بائسة جداً، وأنا أذكر هنا مفردة (الأمن ) كمثل ...

وإلّا هناك شك بأن يطلع المنتسب الأمني على حقوق الانسان وتطبيقاتها في هنا وهناك ، وهل هناك من شك بأن المطلوب من المنتسب الأمني أن يتثقف على جغرافية بلده ، ومشاكل شعبه ؟ وهل هناك من شك بأن يتقن المنتسب الأمني بعض فنون حرب العملة التي أصبحت من أخطر الحروب التي تهدد اقتصاد الشعوب خاصة المستضعفة ؟ وهل هناك من شك أن يتقن المنتسب الأمني بعض دروب ومناهج التحليل السياسي ؟ وهل من شك أن يطلع المنتسب الأمني على بعض تقاليد وثقافة وأعراف شعبه ؟ وهل هناك من شك أن المنتسب الأمني يجب أن يطلع على بعض علوم الجريمة ؟ وهل هناك من شك أن يطلع وإن يسيراً على

أن المنتسب الأمني الذي لا يتسلح بثقافة جيدة ، تتصل بمهنته ورسالته ، إنما بمثابة موظف عادي مهما كانت رتبته ودرجته الوظيفية ، إنما هو مجرد آلة ، وليس حركة وحيوية وعطاء .

والحقيقة إن تحقيق هذا الفهم الشمولي للأمن بالنسبة للمنتسب الأمني يجب أن لا يقع على عاتق المنتسب وحده ، بل يجب أن تساهم دوائر الجهاز الأمني بتوفير مستلزمات هذه الثقافة ، ويجب أن تضع خطة محكمة على طريق هذه الوسيلة والغاية في آن واحد ...

المطلوب تثقيف رسمي عبر كراسات سهلة اللغة ، هذه الكراسات ليست مدرسيّة ، أي ليست ضمن الدراسات الاكاديمية ، بل كراسات للتثقيف العام ، تتجدد دائماً ، بين فترة وأخرى ، تحمل المستجدات التي تتصل بالأمن وشؤون الأمن ، ولست أدري إن كانت هناك فرقة أو لجنة التوجيه المعنوي في مثل هذه الأجهزة أو لا ، فإن كان ذلك بالإيجاب فان من صلب التوجيه المعنوي هو التثقيف على الأمن بالمعنى المعاصر الذي يتجاوز المفهوم المحدود ، الذي طالما يتخذ صيغة ضيقة ، حماية الحقوق ومواجهة المخاطر الخارجية والداخلية ، بل الأمن اليوم يعني أمن كل شيء يتصل بحماية الوطن والشعب ، وعليه فان المطلوب تزويد المنتسب الأمني بثقافة أمنية مستوعبة ، عبر محاضرات وكراسات وحلقات درس وتعليم ، وأن يكون إتقان ذلك جزءاً لا يتجزأ من الاستحقاق الوظيفي ، وفي المقدمة الترقية والتدرج الوظيفي .

وهنا اقترح على الجهات الأمنية ـ مع اعتذاري لأهل الاختصاص ـ تزويد المنتسب الأمني بقاموس علمي يشرح أهم المصطلحات التي تخص الأمن معنى ووظيفة وهدفاً ...

إنها الثقافة الأمنية

يتبع

نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.